إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

اصبروا وصابروالي قراءة صوفية لبيت الشعر هذا أخالف بها عن المفهوم التقليدي له. فإذا كانت النفس هي الشغل الشاغل للمتصوف الحق يؤرقه حالها مع الله تعالى فينغِّص عليه عيشه وهو لا يدري إن كانت أعماله تصدر عنه ملوثةً بشوائبها، أم نقيةً متحررةً منها، فإنه لن يهدأ له بال، ولن تقر له عين فيستقر على حال، قبل أن يستيقن من أنها لن تودي به إلى الخسران المبين في الدنيا والآخرة. وهكذا فالنفسُ إذا كانت كبيرةً بتسلُّطها وعنفوان تسيُّدها عليه، فإنه سيتعب أيَّما تعب وهو يحاول جاهداً مجاهداً مجتهداً أن يروِّضها ويطوِّعها بالتأديب والتشذيب والتهذيب. وهذا كله يستدعي منه ما يجعله مرهقاً على الدوام مادام القلب منه قد أيقن أن لا فلاح في الدنيا والآخرة إلا بردع هذه النفس وزجرها. فكلما كبرت النفس وازدادت تسلُّطاً وتسيُّداً، تحتَّم على المتصوف الحق أن يبالغ في سعيه لتنقية أقواله وأفعاله وأحواله من ملوثاتها التي لا تعدم هذه النفس وسيلةً للتسلُّل إليها وتلويثها. ولذلك ترى القوم مرهقين على الدوام جراء مجاهداتهم نفوسهم وهم الأدرى بما انطوت عليه من مكرٍ ودهاء ليس باليسير الإفلات من مُتقن تفنُّنهما في النيل من المرء وإيراده مورد التهلكة؛ فواحدهم لا يرى سبيلاً للحيلولة دون أن تنال منه نفسه غير أن يجتهد ليل نهار في مناكفتها ومخالفتها وعصيانها. وهذا كله لن يجعله كباقي بني جلدته من البشر من الذين أسلم واحدهم قياده لنفسه التي أحكمت سيطرتها عليه موهمةً إياه أنه المتحكم صاحب القرار!

لقد كفل التصوف للسائر على طريق الله تعالى أن يكون بمقدوره أن يناجز نفسه فيقهرها وذلك بأن وفَّر له كل ما يحتاج إليه من ذخيرة روحية بوسعه أن ينتفع بها إذا ما هو عقد العزم وأيقن أن هذا الطريق لن يزداد إلا وعورةً ووحشة كلما تقدم في سيره عليه. وهذا لن يعود عليه إلا بمزيد من التعب والإرهاق مادامت هذه النفس التي يناجزها لن تستسلم هكذا وبكل سهولة؛ فالنفس مجبولةٌ على الصبر حتى تصل إلى مرادها. وأنت لن يُكتب لك النجاح في قهرها إلا إذا ما تفوقت عليها فصبرت وصابرت. وهذه المصابرة لن تؤتي أُكُلها إلا بمرابطةٍ على ما أنت عليه من مناجزة هذه النفس التي لن تزداد إلا تقهقراً وضعفاً كلما ازددت خشية لله تعالى وتقوى. وليكن دوماً شعارك على الدوام الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (200 آل عمران).

أضف تعليق