“إنما أنا فتنة فلا تكفر”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

فلا تغرنكم الحياة الدنيا

ذكر القرآن العظيم، في سياق حديثه عن قصة الملَكَين ببابل هاروت وماروت عليهما السلام، أنهما كانا لا يُعلِّمان أحداً ما يُمكِّنه من أن يُفرِّق بين المرء وزوجه بإذن الله حتى يقولا له إنهما فتنة وإنه لا ينبغي له أن يُفتَتن بهما فيكفر (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون) (102 البقرة).

والله قد جعل هذه الحياة الدنيا فتنةً للإنسان بكل ما فيها من هذا الذي بمقدوره أن يحيد به عن الصراط المستقيم، فيدفع به بعيداً عنه تعالى. فهذه الحياة الدنيا تشتمل على كم كبير من “المُشتِّتات” و”الحارفات” التي افتُتِن بها الإنسان فكان أن نأت به عن ربه عز وجل، وذلك بجعلها إياه ينشغل بها فينسى أنه ما خُلق ليكون مفتوناً بها، وهي التي ما خلقها الله إلا لتكون له فتنة، مادام الإنسان قد خُلق لعبادته تعالى لا لشيء آخر. وإذا كان الملكَان هاروت وماروت عليهما السلام قد سبَّقا لفتنتهما بتحذيرهما الإنسان أنهما فتنة، فإن ما انطوت عليه هذه الحياة الدنيا من فِتَن ليس لها أن تخاطب الإنسان محذِّرةً إياه بأنها فتنة، مادام هذا الإنسان قد سُلب لبُّه وفُتن قلبه وسُحِر عقله بها! فلو أن الإنسان كان من أهل الله تعالى لنطقت هذه الفِتَن بين يديه بما نطق به الملَكان عليهما السلام، ولحذَّرته واحدتها بقولها “إنما أنا فتنة فلا تكفر”. إن أولياء الله تعالى قد جاهدوا أنفسهم فأصبح الواحد منهم سيد نفسه لا عبدها. وهم لذلك إذا ما نطقت الفِتَن بين أيديهم فقالت “إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر”، فإن واحدهم سيكتفي بهذا التحذير ليُعرض عن الفتنة فلا يُفتتن بها. أما من كان من غير أولياء الله تعالى، فإنه حتى وإن نطقت الفِتَن بين يديه بهذا التحذير فإنه لن يفعل إلا ما سبق وأن فعله من افتُتِن بالملكَين هاروت وماروت عليهما السلام.

أضف تعليق