بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ذكرت في منشورات سابقة كثيرة أن الحياة البايولوجية ظاهرة خارقة للعادة، وأنها تتميَّز بما تتميَّز به كلُّ ظاهرةٍ خارقة للعادة من ندرةٍ في الحدوث أو التواجد. والحياة البايولوجية بهذا المعنى، ما كان لها أن تكون سائدةً في أرجاء الكون وربوعه، منتشرةً في كل صقعٍ من أصقاعه الممتدة بمساحةٍ يقدِّرها علم الفلك المعاصر بآلاف الملايين من السنوات الضوئية. وعِلة ندرة الحياة البايولوجية في الكون أنها لم يكن لها أن تتخلَّق وتنشأ هكذا استناداً إلى تفاعلاتٍ بين موادٍ غير حية كما يتوهم العلماء! فلو صحَّ ما يزعم هؤلاء، لكانت الحياة منتشرةً في عموم أرجاء الكون، ولما كانت مقتصرةً على هذه الأرض التي لا يعرف العلم المعاصر غيرها مكاناً تتواجد فيه هذه الحياة! فكيف يريدنا العلماء أن نتوهم معهم أن الحياة قد نشأت من تفاعل مواد غير حية بصورةٍ عشوائية، ونحن ننظر إلى هذا الكون فلا نرى من نتائج هذا التفاعل المزعوم إلا ما تسنى لهذه الأرض أن تحظى به؟! لقد كان لهذا التفاعل المزعوم أن تنتج عنه حياة تنتشر في الكون من أقصاه إلى أقصاه فلا تقتصر على هذه الأرض. إن اقتصار الحياة البايولوجية على كوكبنا الأرضي هذا دليل على أن هناك أمراً خارقاً لابد من أن نقرَّ بحدوثه بخصوصها. فالحياة البايولوجية، وفقاً لما بين أيدينا من علم، كان لابد لها من أن تكون الصفة السائدة في هذا الوجود. وهذا ما لسنا بواجديه مادام كل ما بوسعنا أن نقع عليه منها هو ما يجعلها الصفة المتنحية فيه.
إذاً فلابد لنا من أن نُعرض عن هذا “العلم” إلى مَن بوسعه أن يُعيننا على فقه ما حدث فجعل من الكون يتصف بهذا الذي هو عليه من سيادة للمادة غير البايولوجية واقتصار لتواجد الحياة البايولوجية على بقعة منه هي أصغر من حبة خردل مقارنةً بعظيم جرمه! إن القرآن العظيم بوسعه أن يمد لنا يد العون المعرفي ليكون بوسعنا أن نتبيَّن هذا الذي حدث فجعل من الحياة البايولوجية تنبثق من المادة الميتة انبثاقاً ما كان له أن يعم فيشمل الكون كله. فلقد جاء في هذا القرآن العظيم أن الله تعالى قد خلق الحياة البايولوجية بتدخُّل مباشر من لدنه، ما كان لهذه الحياة أن تتخلَّق لولاه حتى ولو امتد بها الزمان إلى أبد الآبدين: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (29 البقرة)، (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِين. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (9-12 فصلت).
إن تدبُّر ما تقدَّم من آيات كريمة بمقدوره أن يُعيننا على فهم ما حدث فجعل من الحياة البايولوجية لا تتواجد إلا على هذه الأرض وأرضين أخرى ست. فلولا أن الله تعالى تدخَّل تدخُّلاً مباشراً فخلق الحياة البايولوجية في هذا الوجود، وجعل تواجدها مقتصراً على أرضين السموات السبع، لكان هذا الوجود خالياً من أي مظهر من مظاهر هذه الحياة. إذاً فالحياة البايولوجية آيةٌ من الآيات التي تبرهن على وجوب وجود الله تعالى، مادام ليس بالإمكان أن نعلل لظهورها بالرجوع إلى ما بين أيدينا من علم، لو صحَّ ما يزعم من أن الحياة ذاتية التخلُّق لكان الكون عامراً بها ولما اقتصر تواجدها على هذه الأرض، وذلك على قدر ما تسنى له معرفته!
وهذا ما بإمكاننا أن نقع عليه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (7-9 الشعراء).
