المادة من آيات الله

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

البنج بانجلا قدرةَ للعلم على أن يُعلِّل لوجود المادة إلا بأن يزعم أنها انبثقت من العدم فأصبح لهذا الوجود وجودٌ وانبثق بذلك كل شيء من لاشيء! وهذه النتيجة التي اضطر العلم إلى القول بها، ما كان له أن يُزجَّ إليها زجاً لولا أنه ارتضى أن تُسيِّره نظرياتٌ أنزلها منزلة الحقائق والقوانين. وهذا ليس بالمستغرب مادام الخوض في التنظير لن يفضي بك إلا إلى مزيد ولوغ فيه. فالتنظير ليس بقادرٍ على أن يصل بك إلى شاطئ الأمان مادام الخيال هو كل ما ينطوي عليه. إن القوانين التي اهتدى إليها العلم لم يكن لها أن تجعله يتخبط في الزعم بأن الوجود تخلَّق من العدم، مادامت هذه القوانين من الحقائق التي شُيّد هذا الكون على أساسٍ منها. ولكن العلم لا قدرة له على أن يقتصر على الحقائق فيؤسِّس لبنيانه على هدي منها فحسب وذلك لأن الذين صاغوه لا قدرةَ لهم على تقبُّل حقائق الوجود دون أن يُخالطوها بما يجعل منها مستساغة ومقبولة من قبل عقولهم. ونظريات العلم هي هذا الذي أصرَّ العلماء على أن يخالطوا به حقائق الوجود، فجاءت النتيجة ملزِمةً لهم بوجوب أن يكون هذا الوجود قد انبثق من العدم! ولكن العدمَ عدمٌ معدومٌ فلا قدرةَ له على أن ينبثق عنه شيء ولو بمقدار حبةٍ من خردل، فكيف بالوجود إذاً؟! إلا أن العلماء لا يجدون غضاضةً في هذا الزعم الذي يريدون منا أن نصدِّقه ونخالف بذلك عن الذي تعلَّمناه من صالح سلفنا الذين هداهم الله تعالى إلى القول بأن “فاقد الشيء لا يعطيه”. فمادام العدمُ معدوماً، فلا يمكن له أن يعطي الوجود وجوداً! ولكن العلم آفته الغرور كما حذّرنا حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وهذا الغرور المقيت هو الذي أوقع العلماء في هذه الهوة السحيقة التي لا مخرج لهم منها إلا بإقرارهم بخطأ منهجهم الذي انتهى بهم إلى المخالفة عن كل ما استقام عليه التفكير السليم بهذا الذي أوهموا أنفسهم وأوهمونا به من قدرةٍ للعدم على خلق ما هو ليس بمعدوم!!!

إذاً فالمادة لغز لا قدرةَ للعلماء على التعليل له وبما يتكفل بتفسير تواجدها في هذا الكون. وهذه النهاية المسدودة التي قادنا إليها العلم الذي بين أيدينا تُحتِّم علينا أن نلتجئ إلى من بوسعه أن يقدِّم لنا تصوراً آخر نستطيع وفقاً له أن نفقه هذا التواجد المادي في الكون دون أن نضطر إلى ما اضطرنا إليه العلماء من قولٍ بأنه صنيعة العدم وخليقته. فالقرآن العظيم، إذا ما نحن تدبَّرناه، بوسعه أن ينبأنا بخلاف ما يريدنا العلماء أن نتوهمه بخصوص هذا الوجود وكيفية تخلُّقه. إن تدبر “الآيات الكونية” التي احتواها هذا القرآن بوسعه أن يجعلنا نقع على حقيقة ما حدث فجعل من المادة التي بين أيدينا تتواجد في هذا الكون. فالله لم يكن معه شيء قبل أن يشرع بخلق هذا الوجود الذي خلقه من لدنه تعالى، فانبثق الوجود من المادة الإلهية لا من العدم وذلك بتفاعلها تفاعلاً بينياً تمخضت عنه المادة الأولى التي شرعت بإذن الله تعالى تتفاعل فيما بينها تفاعلاً متسلسلاً أدى إلى نشوء الكون وفق ما قضت به قوانين التدخل الإلهي غير المباشر من وراء حجاب الأسباب.

وهكذا يتبين لنا أن الدين بوسعه أن يقدِّم تصوراً مغايراً غير ذاك الذي لا قدرةَ للعلم على أن يجيء بغيره. والتصور الديني لانبثاق مادة الكون هو الأقرب إلى المنطق السليم الذي يأبى أن يشارك العلم أوهامه بأن كل شيء قد انبثق فجأة من اللاشيء! وصدق الله تعالى الذي قال في محكم تنزيله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (16-18 الأنبياء).

أضف تعليق