بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يبالغ الإنسان في تقديره لما بوسع عقله أن يفيض به عليه من فكر وحكمة! كيف لا وهذا العقل قد مكَّن له في الأرض وجعله يتسيَّد المشهد البايولوجي فيها؟! فعقل الإنسان جعله صانع حضارات كفلت له أن يفرض قانونه على الطبيعة التي نشأ منها. إلا أن واقع الحال ينبئ بخلاف ما يتوهمه الإنسان بشأن ما بمستطاع عقله هذا أن يغدقه عليه، وذلك مادام هذا العقل غير قادر على أن ينتشل صاحبه من وهدة البؤس والشقاء اللذين ليس بمقدور نتاجه المعرفي أن يحول دون أن يتسلَّطا عليه ليحيلا حياته إلى ما يشبه الجحيم. فنحن إذا ما اطَّلعنا على النتاج المعرفي الذي تسنى للإنسان أن يُبدعه على مر العصور، وبكل اللغات التي تحدث بها البشر، فلن يكون بمقدورنا أن نقع على ما يمكن له أن يكون المنهاج الذي بوسعه أن ينتشل هذا الإنسان من بؤسه وشقائه اللذين يرزح تحت نيرهما دون أن يكون هناك من بصيص أمل أن يشفى منهما، وهما اللذان لا يعبئان بأي جهد يبذله للخلاص من محكم تسلُّطهما عليه. إن عجز الإنسان عن أن يكون بمقدوره أن يُبدع علاجاً يتداوى به من هذا البؤس والشقاء، اللذين قُدِّر له أن يعاني منهما، لهو الدليل الذي يبرهَن به على أن بؤسه وشقاءه هذين هما عرَضان، من بين أعراض أخرى كثيرة، لداء وبيل تحتَّم على الإنسان أن يعاني من تداعياته على هذه الأرض التي عجز عقله عن أن يجد عليها ما يُمكِّنه أن يستعين به ليعلل لهذا الداء الوبيل فيفقه بالتالي سبب إصابته به ويشخص بعدها وصفة العلاج منه. والدين ما جاء إلا ليُعين الإنسان، الذي عجز عقله عن تشخيص علَّته ناهيك عن توصيف ما بمستطاعه أن يداويه منها، فيقدم له الحل المنشود الذي إن التزم به وانضبط بمحدِّداته وضوابطه، كان له أن يفقه العلة من وراء دائه وأن يشفى منها محققاً بذلك ما خُلق لأجله.
إن العلم، الذي يفاخر به الإنسان ويباهي، لا ينبغي لنا أن نظن به ما ليس بمقدوره أن يقدِّمه لهذا الإنسان المُبتلى بعلةٍ لا قدرة لهذا العلم على أن يتعامل معرفياً معها، مادام العلم محدَّداً بهذا الواقع الذي نشأ منه ومادامت تلك العلة قد أصابت الإنسان عندما حلَّ ضيفاً على واقع آخر غير واقعه هذا. ولذلك نجد أن القرآن العظيم قد أبان عن حقيقةٍ ذات صلة بهذا الذي هو عليه الإنسان مفادها أن اللهَ تعالى هو وحده من بمقدوره أن يأخذ بيد الإنسان فينتشله من مصابه مداوياً ما جرَّته عليه تلك العلة الخبيثة التي التاث بها بأكل أبويه من الشجرة التي نُهيا عنها. فالقرآن العظيم يذكر هذا ويذكِّر بأن الضلال الذي يتخبَّط فيه الإنسان لن يزول ويتلاشى إلا إذا ما اهتدى هذا الإنسان بهدى الله؛ هذا الهدى الذي أبداً لن يكون بمقدور عقله أن يقع عليه بإبداعٍ ذاتي، مادام لا هادي من الضلال إلا الله. أختم بالدعوة إلى إمعان النظر في الآيتين الكريمتين التاليتين: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) (من 120 البقرة)، (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) (من 73 آل عمران).
