“وبدأ خلْقَ الإنسان من طين”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يصر منكرو الخلق التطوري للإنسان على ظنهم الواهم بأن الله تعالى خلق الإنسان خلقاً لحظياً وذلك على الرغم من أن القرآن العظيم قد ذُكر فيه ما يفيد بخلاف ذلك الذي يصرون عليه. ومن آيات الله الكريمة التي تقطع بأن الإنسان خُلِق على مراحل، الآيةُ الكريمة 7 من سورة السجدة (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ). إن تدبر هذه الآية الكريمة يُمكِّننا من أن نتبيَّن أن الإنسان لم يُخلق خلقاً لحظياً صيَّره الإنسان الذي نعرف، هكذا وكلمحٍ بالبصر. فالآية الكريمة واضحة الدلالة بأن هناك بدايةً لخلق الإنسان، وأن هذه البداية كانت من طين. ثم إن تدبّر الآيات الكريمة التي تليها بوسعه أن يُعيننا على تبيُّن ما تلى الخلقة الطينية للإنسان من مراحل انتهت بتدخل إلهي مباشر، وذلك بنفخ الله فيه من روحه تعالى (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ(8)ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ).

إن هذه الآيات الكريمة تُبيِّن بصورة واضحةٍ جلية أن هناك تطوراً في خلق الإنسان، الذي استغرق حقباً من الزمان، وأن القول بلحظية الخلق الإلهي للإنسان لا يمكن أن يكون ما حدث فجعله سميعاً بصيراً. وهذا الذي بوسعنا أن نقع عليه بتدبُّر هذه الآيات الكريمة يتطابق معه ما تبُيّنه الآية الكريمة 2 من سورة الأنعام (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ). فهذه الآية الكريمة تقطع بأن هناك آجالاً ثلاثة استغرقها خلق الإنسان حتى اكتمل؛ أولها الخلق من طين، ثم أجل آخر ما بين الخلقة الطينية هذه والأجل المسمى الذي قضاه الإنسان عند الله في جنته المطل عليها تعالى بعرشه. إن ما تقدَّم من حقائق بخصوص الخِلقة التطورية للإنسان، بوسعنا أن نتبيَّنه بكل وضوح وجلاء بتدبُّرنا الآية الكريمة 59 من سورة آل عمران (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون). فهذه الآية الكريمة تبيِّن أن الخِلقة الترابية للإنسان لم تكن إلا بدايةً لمشروع خلقه الذي ما اكتمل إلا بتدخل إلهي مباشر بـ “كن فيكون”. إن القرآن العظيم يتوافق مع ما بوسع التدبر في واقع هذا الإنسان أن يبيِّنه بشأن حقيقة ما حدث فجعل منه الإنسان الذي نعرف، وذلك مادام هذا القرآن يكشف النقاب عن أسرار الماضي الإنساني الذي لا قدرةَ لغير القول بالخلق التطوري على جعلنا نوفَّق إلى تعليل غوامض ومبهمات واقعه هذا والذي يعجز القول بالخلق الإلهي اللحظي عن التعليل له مادام هذا القول يحتِّم ألا تكون هناك مشتركات بين الإنسان والحيوان.

 

أضف تعليق