.. فمتى ستتبرأ منها؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ذكر القرآن العظيم في مواطن كثيرة أن سيدنا إبراهيم عليه السلام كان مشفقاً على أبيه غير راغب بأن يصدق بأنه لا يُرتجى له صلاح فيكون من الناجين. إلا أن هذا القرآن قد أنبأنا أيضاً بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أيقن أن لا أمل هناك يُرتجى، وأن أباه عدو لله، تبرأ منه (وما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ. وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (113-114 التوبة). وهذا ما وثَّقته أيضاً آيات سورة الممتحنة 4-6 (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير. رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).

وأنت متى ستتبرأ من نفسك التي ما خبرت منها إلا عصياناً وممانعة وأنت تطالبها بالرضوخ والإذعان وهي تأمرك بأن لا تعصي لها أمراً مادمت في نظرها العبد، ومادامت هي تظن أن لها السيادةَ عليك؟ لقد تبيَّن لك، ومنذ زمان بعيد، أن نفسك عدوة لله وعدوة لك وأنت مازلت تتحايل وتراوغ كي لا يضطرك هذا الذي تبيَّنته بشأنها لأن تتبرأ منها! إن إحجامك عن التبرُّء من نفسك لن يعود عليك إلا بمزيد رضوخ لها وإذعان. وهذان ليسا من صفات مَن يزعم أنه ناصب نفسه العداء إذ شرع بمناكفتها بسيره على طريق الله تعالى الذي يطالب السائر عليه بأن لا يخطو عليه خطوةً إلا وهو موقن تمام الإيقان أنه يبتعد بها عن نفسه إلى ربه عز وجل. إن الإصرار على الإبقاء على النفس آمرةً ناهية، في الوقت الذي تتوهم أنك تأتمر وتنتهي بضوابط ومحددات طريق الله تعالى، لن ينتهي بك إلا إلى تمكُّن هذه النفس منك وبما يجعل منها تنجح في كيدها لك ومكرها بك فتُلقي بك في أتون عذاب الله تعالى دنيا وآخرة. لذا فما عليك إلا أن تسارع إلى التبرُّء من هذه النفس أما وقد تبيَّن لك أنها عدوة لله فلا يرتجى لها أن تنصاع لك مادامت هي سادرةٌ في غيِّها الذي يزيِّن لها أنك عبدها. تبرَّأ من نفسك براءةً لا تُبقي لها على أي تسلُّط عليك، وانظر كيف أن تبرُّءك هذا منها سيجيء بها طائعةً لك ما أطعتَ اللهَ تعالى وعصيتها، فيُكتب لك من الأجر ما تستحق مادمت قد حرَّرتها من عبوديتها لهواها بتحرُّرك منها

أضف تعليق