بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
عجبتُ لمن يتجرأ على الله متجاسراً أنى له ينكر عظيم فضله تعالى ولطيف مِنَّته! فأنت إذا ما تسنى لك أن تحيط علماً بحياة مَن شئتَ من البشر، فلن يكون بالعسير عليك أن تقع على ما كان من عجيب تدخُّل الله تعالى فيها والذي انعكس متجلياً أصنافاً شتى من الرحمة والخير والستر والبركة والتحصين والنصر. والناظر إلى حيوات مَن هم حواليه من بني جلدته البشر بعينٍ متدبرة متوسِّمة لن يُعجزه على الإطلاق أن يرى فيها من آثار التدخُّل الإلهي المباشر ما هو كافٍ لأن يكون الدليل الذي بوسعه أن يحاجج به مَن قسى قلبُه فأنطق لسانه قائلاً بأن ليس هناك من إلهٍ في هذا الوجود. فكل مَن تلقى، إذا ما تسنى لك أن تسمع له، عنده من القَصص ما لا يمكن أن يُعلَّل له بالرجوع إلى أسباب عالم الحجاب الذي نتوهم إذ نظن أنه كل ما هنالك وأن ليس من أحد هناك من وراء هذا الحجاب. إن قَصص بني آدم فيها من العجائب والغرائب ما يجعلك واثقاً من أن هناك حقيقةً تكمن وراء هذا الواقع الذي تريدك نفسُك أن تصدِّق ما تقوله لك بأنه غير موجود إلا في خيالك! لقد أبى الله تعالى أن يكون تلطُّفه، متوارياً من وراء حجاب الأسباب، حائلاً دون أن يتجلى برحمته بين الحين والآخر، هنا وهناك، فيخرق قوانين هذا الحجاب بهذا التجلِّي لرحمته التي تُصيِّر العسرَ يسراً والشدةَ فرجاً. ولكن الإنسان لا قدرةَ له على أن يتبيَّن رحمات الله تعالى هذه مادامت نفسُه مستوليةً عليه فلا تدع له من قدرةٍ على أن يعي ما كان سيؤول إليه أمره وتكون عليه خاتمته لولا هذه الرحمات. وهذه الرحمات الإلهية يستوي في التعرُّض لنفحاتها من كان مؤمناً بالله تعالى ومن ناصب ربه عز وجل العداء. فحتى من كان كافراً مجاهراً بكفره يناله من رحمات الله تعالى ما هو كفيل بجعله يرعوي فيؤوب إلى ربه عز وجل تائباً مستغفراً مقراً بذنبه لو كان في قلبه شيء من حياة. أنظر إلى الله تعالى كيف يخاطب سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام وهما يشرعان في الرحلة إلى فرعون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(43)فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (43-44 طه).
إن الناظر إلى هذه الدنيا، بعين قلبٍ أحياه الله تعالى، لن يعجزه أن يرى أن كل ما يعرض له من قَصص أهلها قد انطوى على آثار رحمةٍ إلهية ليس بوسع أسباب عالم الحجاب هذا أن يُعلِّل لها. وهذه الآثار تعزز من يقينه فيزداد إيماناً بالله تعالى الذي ما كان له أن يجعل هذه الدنيا بمنأى عن أن تنالها شآبيب رحماته. ولكن مَن بوسعه أن “يتأثر” بهذه “الآثار” قلة قليلة من بني آدم مَنَّ الله تعالى عليها بهذه المقدرة الفذة على تبيُّن هذه الآثار فلا يحول بينهم وبينها ما خالطها من تجليات أسباب عالم الحجاب هذا. وهكذا، فإذا ما أردتَ أن تنتهج نهجاً تخالف به عن نهج السواد الأعظم من بني جلدتك، فما عليك إلا أن تُعمِل عقلك في أحوالهم متدبراً قَصصهم بعينٍ تحرص على أن لا ترى إلا ما يكاد أن يكون متوارياً من وراء زحمة الأعراض والأسباب. فلطيف تدخُّل الله في حياتنا ليس بالعسير عليك أن تتبيَّنه إذا ما كان دأبك الإعراض عن الانشغال بما لا قدرةَ لأهل الواقع على أن ينشغلوا بغيره لفرط تشاغلهم عنه. إن الله تعالى متواجدٌ بيننا بلطيف تدخُّله المباشر في حياتنا؛ فكم من مرةٍ كان لهذا التدخل الرحيم أن يجعل الأمور تنتهي إلى غير ما كانت لتنتهي إليه لو أنه تعالى سلَّم الأمور هذه إلى أسبابها؟ ولكن الله سلَّم إذ تسلَّم الأمر مباشرةً دون وساطةٍ من أسباب عالم الحجاب!
