بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
خلق اللهُ تعالى سيدنا عيسى عليه السلام خلقاً متمايزاً عن كل خلقٍ بايولوجي آخر، وذلك بأن جعل الحمل به يتم دون وساطة أب. وهذا الحمل العجائبي ما كان له أن يحدث لولا أن الله تعالى كان قد تدخَّل بصورة مباشرة آمراً البُنية البايولوجية للسيدة مريم عليها السلام أن تُكيِّف نفسها فيشرع بدنها في التغيُّر كيما يتسنى لها أن تحظى بسيدنا عيسى عليه السلام دون حاجةٍ إلى تدخل سبب من عالم الأسباب يتكفل به أب كما جرت العادة بين الكائنات البايولوجية. فكان أن حملت السيدة مريم عليها السلام بسيدنا عيسى عليه السلام بكلمة أمرٍ من الله تعالى تكفَّلت بها “كن”. وهذه الكلمة الإلهية المقدسة كان لها أن “تتفاعل” مع “مادة حيوية” وليس مع “لاشيء” كما قد يتوهم البعض. وهذا أمر لابد من إمعان النظر فيه، وذلك لأن الله تعالى ذكر في قرآنه العظيم أن خِلقة سيدنا عيسى عليه السلام تُماثل خِلقة سيدنا آدم عليه السلام الذي خلقه الله تعالى من تراب ثم قال له كن فيكون: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (59 آل عمران).
فإذا كان الحمل بسيدنا عيسى عليه السلام قد تطلب “مجالاً حيويا” تفعل فيه كلمة الله تعالى “كن” فعلها الخارق للعادة، فإن “مجالاً حيوياً” آخر لابد من الافتراض أنه كان موجوداً ففعلت فيه هذه الكلمة المقدسة ما تمخَّض عنه تصيُّر سيدنا آدم عليه السلام. إن المادة البايولوجية لسيدنا آدم عليه السلام قبل أن تتفاعل معها كلمة الله تعالى “كن”، ما كان لها أن ينتج عنها “الكيان الآدمي” حتى ولو طال بها العُمُر فامتد ملايين ملايين السنين. وكذلك هو الحال مع سيدنا عيسى عليه السلام الذي لو لم تتفاعل كلمة الله تعالى “كن” مع بدن السيدة مريم عليها السلام لما كان بمقدور مادته البايولوجية أن يتخلَّق عنها سيدنا عيسى عليه السلام.
وهكذا يتبين لنا أن كلاً من سيدنا عيسى وسيدنا آدم عليهما السلام قد تخلَّق بتدخل إلهي مباشر كان له أن يخرق العوائد بكلمة الله تعالى “كن” ليغير المادة البايولوجية فيصيِّرها خلقاً آخر ما كانت لتصير إليه دون هذا التدخل، حتى ولو امتد بها الزمان أبد الآبدين.
لقد آن الأوان لنصحح تصورنا الخاطئ بشأن التدخلات الإلهية المباشرة بكلمة “كن”. فهذه الكلمة الإلهية المقدسة لا ينبغي لنا أن نواصل الظن بأنها تفعل فعلها الخارق للعادة في “فضاء عامرٍ باللاشيء”، ولكنها إذ ينجم عنها كل ما هو من العجائب والغرائب، فإن هذا ما كان له أن يتصيَّر بهذه الصورة العجيبة الغريبة لولا أن هذه الكلمة المقدسة قد فعلت فعلها في مادة كان الله تعالى قد خلقها من قبل.
