بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لعل واحداً من أكثر ما يتميز به الإنسان عن كل كائن من كائنات الطبيعة هو هذا الذي هو عليه من إحساس مرهف بالفردية والتمايز. فكل إنسان مجبول على أن ينظر إلى نفسه فيراها متفردةً متميزة بما هو مستيقن من أن لا وجود لما يضارعه عند غيره من بني جلدته البشر! ونفس الإنسان تسوِّل له أنها ليس كمثلها شيء مادامت هذه النفس قد جُبلت على أن تظن أنها مَن يتوجب على صاحبها أن يتيه في محراب التعبُّد والتقديس لها! وهكذا فإن كل إنسان، إلا ما رحم الله تعالى، تعذِّبه هذه النفس التي تزيِّن له أنه خير مَن على الأرض، هذا إن لم تبالغ فتوهمه بأنه خير مَن في الوجود قاطبة! وهذا الذي يتفرد به الإنسان من إحساس، هو أقرب إلى اليقين منه إلى شيء آخر بأنه خيرٌ من كل أحد آخر من البشر، هو الدليل الذي بوسعنا أن نبرهن به على أن هذا الإنسان قد شذ عن الطبيعة وتناشز معها بهذه النفس التي لا يمكن أن نجد ما يؤثِّل لها في عالم الطبيعة. فالطبيعة ليس لها أن تجعل أحداً من كائناتها الطبيعية يخالجه هكذا إحساس بـ “الخيرية”؛ فهذا ترف لا يعود عليها بالفائدة والنفع، ناهيك عن أنه هدرٌ وتبديد وإسراف لم تُخلق هذه الطبيعة مُجازةً به! فما بال الإنسان إذاً تنهشه مشاعر “الخيرية” هذه فتعذِّبه إيما عذاب؟ ومن أين تأتى له أن يفاضل بينه وبين أمثاله وأشياعه وأشباهه من بني آدم فيفضّل نفسه عليهم كلهم جميعاً؟ إن كل من يجادل مُنكراً أن الإنسان ليس كائناً طبيعياً، ما عليه إلا أن يتدبر فيما هو عليه هذا الإنسان من فرط إحساس بالتميُّز والتفرُّد و”الخيرية” ليستيقن بعدها أن هذا الإنسان لابد وأن يكون قد التاث فيه شيء خلال مسيرة تطوره فجعل منه يشذ بهكذا إحساس عن القانون الإلهي الذي حتَّم على الطبيعة أن لا يكون لأي من كائناتها أن يستشعر ما يجعله يتوهم أنه متمايز عن غيره. فما الذي حدث فجعل من الإنسان يتوهم هذه “الخيرية” فينزلها منزلة الحقيقة التي لا مراء فيها؟ ينبؤنا القرآن العظيم أن هناك مَن سبق الإنسان إلى هذه “الخيرية”: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ(75)قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (75-76 ص). وآدم الذي أخرج إبليس من الجنة، إذ رفض أن يسجد له امتثالاً لأمر الله تعالى، قد أُخرج هو الآخر منها بأكله من الشجرة التي نُهي عنها. وكان أن عادت هذه الأكلة المحرمة على بني آدم بأن كان للسواد الأعظم منهم أن ينحى واحدهم منحى إبليس في ظنه الواهم بأنه خيرٌ من آدم، فكان أن ظهرت “الخيرية” علةً بمستطاعتنا أن نفسر بها الغالبية العظمى من سلوكيات الإنسان الذي يحلل لنفسه بوساطة منها عدوانه الظالم على غيره، مادام هو خيرٌ منه. لقد جاء الدين من عند الله تعالى ليُبيّن لهذا الإنسان أن الأمر ليس له ليقيِّم نفسه فيجعلها خيراً من كل نفس أخرى، وأن الأمر كله لله تعالى فهو الذي يقرر مَن هو خيرٌ مِن مَن (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (من 32 النجم). وفصَّل قرآن الله العظيم الأمر فحدد شروطاً للخيرية لا مناص من الاجتهاد للاتصاف بها حتى يكون الواحد من بني آدم خيراً من غيره (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (104 آل عمران)، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (من 110 آل عمران). إذاً ففي المرة القادمة التي تسوِّل لك نفسك بأنك خيرٌ من غيرك، اعرض حالك على هاتين الآيتين الكريمتين وانظر بعدها هل أنت حقاً كما تظن وتتوهم؟!
