زَيغ القلوب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ربنا لا تزغ قلوبناتتميز اللغة العربية بميِّزات تُوِّجت بقرآن الله العظيم الذي أبان عن فريد جوهرها الذي تفرَّدت به لعلةٍ جعلتها تستحق ما حباها الله تعالى به من ذاك الذي صيَّرها أماً لكل لغات بني آدم. فكل اللغات التي نطق بها لسان الإنسان انبثقت عن هذه اللغة المعطاء التي لن تُعجِزك عن أن تقع على غريبها وعجيبها إذا ما أنت تدبرتَ ما تميَّزت به كلماتٍ وعبارات وجُملاً. ومن ذلك أنك تجد الكلمة تتلون فيها أشكالاً وصيغاً بوسع بعضها أن يفسِّر الآخر. ولقد حفظ القرآن العظيم لهذه اللغة المباركة الكثير مما تميَّزت به وتفرَّدت. وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن “الزَّيغ” مُبيناً أنه صياغةٌ أخرى للازورار، وذلك لأن الأصل في الكلمتين هو الفعل “زار”، والذي يجيء بمعانٍ عديدة منها “مالَ” و”انحرف”. لنتدبَّر الكلمات القرآنية التالية: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِين) (من 17 الكهف)، أي تميل الشمس إلى ناحية اليمين.

ومن هنا جاءت كلمة “الزور”، التي وردت في القرآن العظيم أربع مرات: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (من 30 الحج)، (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) (4 الفرقان)، (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (من 72 الفرقان)، (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) (من 2 المجادلة). فالزور هو الميل عن الحق والانحراف إلى الباطل شهادةً وقولاً وعملاً.

وكلمة “زار” كانت العرب تنطقها أحياناً “زاغ”، والتي ما زالت تعني عندنا “مال” و”انحرف”. ولقد ورد في القرآن العظيم ما انطوت عليه هذه الكلمة من هذا المعنى، وذلك في المواطن القرآنية التالية: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (117 التوبة)، (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير) (12 سبأ)، (وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ(62)أَأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَار) (62-63 ص)، (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) (17 النجم)، (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ) (10 الأحزاب)، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (5 الصف).

فالزيغ والزوغان هو الميل والميلان. والقلوب تميل إذ تزيغ، كما تميل الأبصار بزوغانها. ونحن بمقدورنا أن نتدبر ما تقدم من آيات كريمة فنتبيَّن أن الزيغ هو الميل والانحراف عما هو الصواب. والقلوب تميلُ عن الصواب كما تميل الأبصار عنه عندما تنظر العين إلى الشيء فلا تراه بميلانها عنه.

وبعد هذه المقدمة التأثيلية أجد أنني ملزم بتبيان أمرين لهما وثيق صلة بالزيغ إذ تميل به القلوب عن جادة الحق وتنحرف إلى وهاد الباطل.

الأمر الأول: إن الله تعالى ما كان ليزيغ القلب منك إلا من بعد أن تزيغ أنت. فاللهُ ما كان ليُضلك إلا من بعد أن تضل أنت السبيل. فإضلال الله تعالى لك مشروط بضلالك أنت عنه. تذكر ما ورد فيما تقدم: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ).

والأمر الثاني: إن زيغ القلوب يكون بانصرافها عن الآخرة وانشغالها بهذه الحياة الدنيا فلا يعود بعدها بمقدورك أن تنشغل بما كان كفيلاً بأن يجعلك تسير صوب خلاصك. أنظر كيف يدعو أولو الألباب ربَّهم عز وجل ألا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم فيجعلهم ينسون اليوم الذي سيجمع اللهُ تعالى فيه الناس للحساب: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد) (8-9 آل عمران).

وبذلك يتبيَّن لنا واضحاً جلياً أن زيغ القلوب متحقق بانصرافها عن تذكُّر يوم الحساب وذلك بانشغالها بهذه الحياة الدنيا التي هي كفيلةٌ بأن تجعلك تزيغ عن جادة الحق وصراطه.

أضف تعليق