بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يُحسِن الإنسان الظن بنفسه التي تُزيِّن له أنها لا تريد إلا خيره، وأن ليس هناك من هو أدرى بمصلحته منها، وأن كل ما تقوله له حقٌّ لا جدال فيه! وهكذا ترى الإنسان لا يمحِّص أفعاله ناهيك عن تمحيصه أقواله، فيرسلُ هذه وتلك دون أن يتبيَّن ما قد تكون قد انطوت عليه من “تلوّث” بما لا قدرةَ لنفسه على أن لا تنفثه في كلٍّ من زعاف سمِّها؛ فالنفسُ ما خالطت شيئاً من قولك أو عملك إلا وشانته بهذا الذي جُبلت عليه من شرِّ الخصال وسيِّئها. والإنسان يقول ويفعل دون أن يضع في حسبانه أنه مُراقَب على مدار الساعة من قِبل مَن لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، وأن كلَّ ما يصدرُ عنه من قولٍ وفعل يُستنسَخ ويُدوَّن في محضر هو لاقيه يوم القيامة كتاباً منشوراً لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. ولو أن الإنسان تمهَّل وتأنَّى قبل أن يُطلِق أقواله جزافاً، وقبل أن يُرسِل أعمالَه دون تدقيقٍ وتروٍّ، لما تعجَّل فدعا اللهَ تعالى وهو لما يتفحَّص دعاءَه هذا فيتبيَّن ما قد يكون منطوياً عليه من شرٍّ دفينٍ لو تسنى له أن يحيط به علماً لما عزمَ على هذا الدعاء. فكم من دعاءٍ نظن أن فيه خيرنا وهو يحمل بين طيَّاته ما كان ليودي بنا لو أن اللهَ تعالى أجابنا إليه، ولكنَّ اللهَ سلَّم!
ويستوي في هذا العالِم والجاهل، والنبي والعامي. فأن تكون نبياً لا يعني أن لا تكون إنساناً! والنبي إنسانٌ قبل أن يكون مختاراً ليبلِّغ رسالة ربِّه عز وجل. وهذه “الإنسانية” تُملي عليه أن تصيغ دعاءه نفسُه التي جُبلت على أن تعجل ولا تتمهَّل، وتُسرع ولا تتأنى، مادام ظنُّها هو الحق والحق هو ما تظن! أنظر إلى سيدنا نوح عليه السلام وقد استُجيب دعاؤه: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) (26-27 نوح)، (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (10 القمر)، (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُون) (26 المؤمنون). فحقق له اللهُ تعالى مُراده وأهلكَ قومَه الظالمين، فما كان منه عليه السلام إلا أن توجَّه إلى الله تعالى بالدعاء: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (45 هود)، وذلك لأن ابنه كان قد هلَك مع مَن هلك من قومه عليه السلام (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِين. قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (42-43 هود).
إن ما قام به سيدنا نوح عليه السلام ليس بالمستغرب ولا بالمُستعجَب مادام “الإنسان” فيه هو الذي نطق بهذا الدعاء المَعيب الذي عاتبه اللهُ تعالى عليه عادّاً إياه عملاً غير صالح (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين) (46 هود). فما كان من سيدنا نوح عليه السلام إلا أن استدرك مُدركاً ما وقع فيه من ذنب عظيم إذ نسي أنه كان قد دعا اللهَ تعالى بأن يُهلك قومَه وأن ابنه كان منهم. ولأنه نبيٌّ، أكثر منه إنساناً، فلقد توجَّه سيدنا نوح عليه السلام إلى ربِّه عز وجل بدعائه مستغفراً ما كان قد بدرَ منه من عمل غير صالح (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (47 هود).
إن الإنسان فيك ليعجَل بالدعاء قبل أن تتبيَّن ما قد يكون هذا الدعاء قد احتوى عليه من شر وبيل (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (11 الإسراء). فلو أنك تمهَّلت وتأنَّيت فتبينَّت ما قد يكون دعاؤك قد احتواه من وبيل شر لما جاءت أدعيتك يخالطها من سموم نفسك ما جعل منها دعاءً عائد بالشر عليك لولا أن الله تعالى سلَّم.
ففي المرة القادمة التي تدعو فيها ربَّك عز وجل إحرص على أن تتفحَّص دعاءك حتى لا يُحسَب عليك عملاً غير صالح، وحتى لا تكون قد دعوتَ بالشر على نفسك ظاناً أنك ما دعوت لها إلا بالخير.
