“وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

نقضت غزلهاقد تتوهم أنك إن قلتَ “آمنتُ بالله” فقد سلمت مادمتَ تُحسن الظن بنفسك التي ناصبتك العداء منذ ابتُليتَ بها! إلا أن الأمر خلافُ ما تظن وتتوهم! فأن تقول “آمنتُ بالله” يستدعي منك ما هو كفيل بأن يزلزل الأرض من تحت قدميك، ويقلب حياتك رأساً على عقب فلا يعود بمقدورك أن تباشر مألوفاتك كما كنت تفعل من قبل، هذا وإلا فأنت كاذب بزعمك أنك آمنتَ بالله! فالإيمان بحاجة إلى ما تحتاجه البذرة كيما تنمو لتغدو شجرةً وارفة الظلال تؤتي أُكُلها كلَّ حينٍ بإذن ربها؛ إذ لا إيمان دون أن ترفده بعملٍ صالح يوطِّن له في قلبك ويزيح نفسك بعيداً رويداً رويداً حتى لا يعود بمقدورها أن تنالَ منك كما كانت تفعل قبل أن يقتحم “الإيمان” حياتك.

ولقد حذَّرنا قرآن الله العظيم من مغبة أن يحسن واحدنا الظن بنفسه فيتوهم أن لا منغصات ولا عقبات هناك على طريق الله تعالى، والذي يظن أنه سيُفرش له بالزهور ما أن يخطو عليه أولى خطواته. فالسير على طريق الله تعالى محفوف بكل ما لا يمكن تخيُّله من الابتلاءات والاختبارات التي ستُمحِّصك حتى يتبيَّن معدنُ إيمانك ويتجلى. وهكذا يخطئ من يتوهم إيمانه قائماً على أساسٍ صلب متين وهو لما يجتز إلا مسافةً قصيرة من طريق الله تعالى بخطواتٍ متثاقلة وببدنٍ يجرُّه جراً على هذا الطريق! ولذلك كان الفسوق بعد الإيمان هو بئس الإسم، كما يعلِّمنا القرآن العظيم. فالإيمان إن لم تحرص على أن تزيده بالصالحات من الأعمال، وبإساءة الظن بنفسك، لن يُمكَّن له داخل قلبك فينمو النمو المضطرد الذي يحول بينك وبين أن يكون حالك مع الله تعالى هو ما وصفته الكلمات القرآنية المرعبة من سورة النحل “وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا” والتي عززتها الكلمات القرآنية التي تليها “فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا”.

وصدق حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي حذَّرنا بكلماته المحمدية الشريفة: “اعلموا أن لكل شيء آفة، وآفةُ الإيمان حُسن الظن”. والمقصود بـ “حسن الظن” هنا، هو أن يُحسن الواحد منا الظن بنفسه فيتوهم أنه على أحسن حال مع الله تعالى وهو ما امتثل إلا لما اختار أن لا ينغص عليه هنيء عيشه من العبادات وما توجبه عليه من مجاهدةٍ لنفسه التي يحرص على إطاعة ما تأمره به من لزوم كل ما هو كفيلٌ بأن لا يجعله يُفلت من محكم قبضتها وتحكُّمها به.

 

أضف تعليق