بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يتفوَّق الإسلام على العلم في مناحٍ يتعذر إحصاؤها. ومن مناحي تفوُّق الإسلام على العلم تشخيصه لما انطوى عليه الإنسان من دفين بواطن ليس للعلم أن يتمكن من استكناه حقيقتها، مادام هذا العلم محدَّداً بواقعٍ نشأ عنه فحدده داخلاً من حدود معرفية حتَّمت عليه أن يبقى أبد الدهر محدوداً بها. إن واحداً من أبرز ما يتميِّز به العلم هو محدوديته هذه التي قُدِّر له أن لا يكون بمقدوره أن يتعدَّاها فيتجاوزها مادام هذا العلم قد صيغ بالاستناد إلى ما جادت به عليه وقائع وأحداث وظواهر هذا الواقع الذي بالإمكان إيراد ما شئت من الأدلة التي تبرهن على استحالة أن يكون هو كل ما هنالك من واقع. والإسلام، مادام هو دين الله تعالى، يتجاوز واقعنا هذا وذلك لانتمائه إلى كل واقعٍ ينطوى عليه هذا الوجود، ومادام هو الحقيقة التي ما كان لها أن تنشأ من هذا الواقع كما نشأ منه العلم. وبذلك كان للإسلام أن يعرف الإنسان كما ليس بمقدور العلم أن يعرفه مادام هذا الإنسان قد تظاهرت على تكوينه مكوِّنات تنتمي إلى أكثر من واقع، ومادام واقعنا هذا هو ليس إلا واحداً من مكوِّناته هذه. فالإنسان نفسٌ أكثر منه بدناً. وهذه النفس تُسيِّر الإنسان المخدوع بها ظناً منه بأنه هو الذي يسيطر عليها. ولذلك جاء الإسلام بكل ما من شأنه أن يُعين الإنسان على نفسه فيُمكِّنه منها معرفةً بها وتشخيصاً لعِللها وأسقامها وتوصيفاً لما يمكِّنه من مجابهتها بالمناكفة والمحاربة والمجاهدة. والإسلام يعلِّم الإنسان كيفية التعايش مع هذه النفس الأبية الحَرون. والإسلام يمكِّن الإنسان من ترويض وتطويع هذه النفس وذلك بجعلها تنضبط بضوابط ومحددات السير على طريق الله تعالى الذي جاء هذا الإسلام بتعريفٍ له يكفل للسائر عليه بأن يُوَفَّق إلى ضبط هذه النفس إذا ما عقد العزم وبذل الجهد وصدق النية. فالإسلام هو لا أكثر من أن تضبط نفسك فلا تجعلها منفلتة تفعل ما يحلو لها آمرةً ناهية. والإسلام، إذ يعلِّمك الكيفية التي تضبط بها نفسك، لا يطالبك بأكثر من أن تضع يدك بيده لتحارب هذه النفس بمجاهدتك لها “جهاداً أكبر” يتطلب منك بذل الغالي والنفيس من جهدك ووقتك ومالك وفق ما جاءت به أركانُه وأحكامُه.
إن ضبط النفس ليس بالأمر اليسير مادامت هذه النفس قد جُبلت على أن تفعل كل ما من شأنه أن يحول بينك وبين أن تُوفَّق إلى جعلها مأمورةً غير آمرة. فإذا أردتَ أن يحسُن إسلامُك فاجتهد أن تضبط نفسك وتذكَّر على الدوام ما قاله حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم “إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز”.
