بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
عجيبٌ أمر جماعات ما يسمى بـ “الإسلام السياسي”! أنظر إليهم كيف يبررون لتهافتهم على حكم البلاد والعباد وتسويغهم لفرض تفسيرهم الديني المنحرف على الأمة! فهم يؤصِّلون لهذا وذاك بالرجوع إلى القرآن العظيم الذي ظنوا وتوهموا أن فيه ما بوسعهم أن يستندوا إليه في مطالبتهم أفراد الأمة بالرضوخ والإذعان لما افترضوه من تأويلٍ أخرق لدين الله تعالى. ومن مفردات هذا التأصيل الفاشل أنهم يلجأون إلى العبارة القرآنية (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) محاولين أن يتوسلوها سبباً لجعلنا نشاركهم ظنهم الواهم بأنهم الأجدر بأن يُتَّبعوا والأقدر على تحقيق ما تصبو إليه الأمة. ولقد فاتَ هؤلاء الجُهال بدين الله تعالى أن القرآن العظيم قد أبان عن سياقٍ، وردت فيه هذه العبارة القرآنية الكريمة، لا يجوِّز لهم أن يقتطعوها منه فيوظِّفوها في سياق آخر يُراد به التشريع لمذهبهم الرامي إلى القفز إلى السلطة بأي ثمن وبأية وسيلة حتى ولو كانت التدليس والتزييف! فعبارة (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) وردت في القرآن العظيم ثلاث مرات. وفي هذه المرات الثلاث لم يكن السياق ذا صلةٍ بما يتوهم ويظن مُنظِّروا جماعات ما يُسمى بـ “الإسلام السياسي”. فلو أنهم تدبَّروا الآيات الكريمة الثلاث التي وردت فيها هذه العبارة القرآنية الكريمة، لتبيَّن لهم أن الأمر ذو صلةٍ بما كان عليه أهل الكتاب من معاصري حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن الأمر لا علاقة له من قريبٍ أو بعيد بالاحتكام إلى ما أنزل اللهُ تعالى في هذا القرآن! هذا ناهيك عن أن التوجيه الإلهي بوجوب احتكام أهل التوراة وأهل الإنجيل من معاصري حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ما أنزل اللهُ تعالى فيهما لم يكن على الإطلاق ذا بُعدٍ “سياسي”! فالتوجيه الإلهي كان يستقصد أهل التوراة وأهل الإنجيل مطالباً إياهم بالاحتكام إلى ما أنزل اللهُ تعالى في هذين الكتابين المقدسين وإلا فهم الكافرون الظالمون الفاسقون:
(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون) (44 المائدة)، (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (45 المائدة)، (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (47 المائدة).
