سنُبعث يوماً حتى ولو كنا حجارةً أو حديداً

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده

ليس هناك ما هو أكثر بُعداً عن الحقيقة في ظن الإنسان من كل ما له علاقة بالقيامة بعثاً ونشوراً وحساباً وثواباً: جنةً أو ناراً. وهذا ليس بالمستغرب ولا بالمستعجب مادام هذا الإنسان لا قدرةَ له على أن يزن الأمور إلا بميزان عقله الذي نشأ وترعرع متفيئاً ظل هذا الواقع الذي لم يعرف الإنسان غيره واقعاً. فعقل الإنسان قد صاغته وقائعُ وأحداث وظواهر هذا الواقع. وهذه كلها جميعاً لم يكن لها أن تحدث لولا أسباب عالم الحجاب. وهذا العالم هو عالم التدخُّل الإلهي غير المباشر، والذي ليس لوقائعه وأحداثه وظواهره أن تحدث، وبما يجعل من حدوثها يخرق ما اعتاد عليه عقل الإنسان من مألوف القوانين ومعتادها. ولأن الإنسان ما كان له أن يستنتج بـ “عقله الواقعي” هذا أن هناك بعثاً ونشوراً وجنةً وناراً، فإن الله قد تكفَّل بأن ينبأه بهذا الذي سيحدث حتماً لا محالة، وذلك بأن أرسل رسله مبشِّرين ومنذرين. وهنا تدخلت نفس الإنسان فحالت بينه وبين أن يصدِّق ما جاء به النبيون من ربهم عز وجل. فإذا كان عقل الإنسان غير قادر على أن يعلم أن هناك قيامةً قادمةً لا محالة، فإن نفسه قد حالت دون أن يكون من المصدِّقين بهذه القيامة التي أرسل اللهُ تعالى رسله منذرين ومحذِّرين من قريب قيامها. ولذلك احتج الإنسان بحجج ظن أنها تسوِّغ له هذا الإنكار للبعث والحساب. ومن هذه الحجج أنه إذ يموت فإنه يتلاشى إلى عظامٍ ورفات، فكيف يُعقل أن يُبعث منها صحيحاً معافى؟!

ولقد أجاب الإنسانَ قرآنُ الله العظيم بأنه حتى ولو كان ما سيؤول إليه هذا الإنسان بعد موته هو حجارة أو حديد، فإن اللهَ قادرٌ على أن يبعثه من هذه الحجارة وهذا الحديد (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا. أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) (49-51 الإسراء). فالإنسان، كما لا يعلم، هو ليس هذا البدن، الذي يتلاشى إذ يموت فيُصبح رفاةً وعظاماً، فحسب: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (4 ق). فإذا كانت الأرض تُنقص من بدن الإنسان ما تُنقصه بأن تُعمِل فيه أدواتُها قضماً وهضماً حتى لا تُبقي على شيء منه خلا بضعةَ عظام وحفنة تراب، فإن ما لا قدرةَ لأي شيءٍ في هذا الوجود على أن يُنقص من هذا الإنسان هو “روحه” التي يتعهدها اللهُ تعالى بالحفظ، بعد موت الإنسان، في كتابٍ وصفه قرآن الله العظيم على لسان سيدنا موسى عليه السلام (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى. قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) (51-52 طه). وهذا الكتاب حفيظ عليم فلا يغادر روحاً من أرواح البشر. فكل من فيه من بني آدم محفوظ يناله نصيبه منه حتى تقوم الساعة ويُصار إلى الحكم على البشر، فمن حُكم عليه بالتخليد في النار ومن حُكم عليه بالخلود في الجنة (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِين) (37 الأعراف).

إن الإنسان عاجزٌ عن أن ينظر إلى كيانه فيرى روحه مادام عقله غير قادر على أن لا يرى غير بدنه. فروح الإنسان هي المعوَّل عليها في التفاعل مع ما سيتبقى منه بعد موته ليُبعث ببدنٍ من جديد. وحتى لو كان المتبقي هذا حجارةً أو حديدا، فإن البدن سوف يُبعثُ بهذه الروح التي كفل لها اللهُ تعالى المقدرةَ على تصيير المادة الميتة بدناً حياً من جديد.

أضف تعليق