بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

خُلقتَ إنساناً في أحسن تقويم، ثم رُدِدتَ أسفل سافلين. هذه هي حقيقتك ما لم تكن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهؤلاء هم قليلٌ كما صرَّح بذلك قرآن الله العظيم على لسان سيدنا داود عليه السلام (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) (من 24 ص). وعلة كونهم قلة هي ما بإمكانك أن تحيط به إذا ما أنت تتبعت الإنسان في رحلةِ نشوئه وتطوره وارتقائه وانحداره. فإذا كان آدم قد خُلق في أحسن تقويم، فإن الإنسان في ذريته قد رُدَّ أسفل سافلين. وبذلك أصبح لزاماً على كل إبنٍ لآدم عليه السلام أن يكدح شاقاً مساره على طريق الله تعالى علَّه أن يوفَّق إلى الخلاص من “قدَر أسفل سافلين” الذي رُدَّ إليه الإنسان فيه. ولكن هذا الكدح ليس بالأمر الهيِّن مادام هذا الإنسان لا يرتضي أن يأتمر بغير أوامر النفس التي ابتُلي بها، والتي أقنعته بأن لا حياة له بعيداً عن عبوديته لها وامتثاله لما تأمر به وتنهي.
فالإنسان فيك إذاً هو هذه النفس التي تريدك أن تبقى أسيرها وعبدها فلا تشرع برحلتك على طريق الله تعالى بعيداً عنها. ولذلك كان عسيراً عليك للغاية أن تبادر إلى مفارقتها بهذا السير منك على طريق الله تعالى منضبطاً بمحدداته وضوابطه الإلهية مادامت هذه تطالبك بأن تنزع عنك الأغلال التي عليك والتي ارتضيتَ أن تكبِّلك بها نفسك مادام قد حلا لك عالمها الذي اجتذبتك إليه بالتزيين والإغواء فكان أن شغلك بأوهامه وخيالاته عن العالم الذي خُلقتَ لتصنعه من حجر الحقيقة وصخرها. فكل جهد تبذله على طريق الله تعالى مجاهداً نفسك متعبداً ربَّك سوف يعود عليك بما هو كفيلٌ بجعلك تتحرر رويداً رويداً من أسر نفسك حتى يجيء يوم انعتاقك منها بالتمام والكلية فتتحرر لتصبح ما خُلقت لتكونه إنساناً كاملاً في أحسن تقويم. ولكن هذا أمرٌ دونه خرط القتاد كما تقول العرب؛ فطريق الله تعالى شاق عسير مليء بالعقبات والعراقيل. وهذا الطريق الإلهي لا قدرةَ لغير ذوي الهمة العالية على السير عليه، مادام لا زادَ للسائر عليه إلا تقوى اللهَ تعالى. وهذه التقوى تحتِّم على السائر على طريق الله تعالى أن يتخلَّى عن الكثير الكثير ويتحلى بالكثير الكثير. وهذه وتلك من الأمور التي يُمتحَن بها معدنك وتُختبَر بها إرادتك؛ فإن أتحتَ للإنسان فيك أن يقعد بك عن أن تقوم بما يتوجب عليك القيام به لتحقق قدرك الذي خُلقت لتحققه فهينئاً لك هذا الذي سيجعل منك تظل أسير أسفل سافلين في هذه الحياة الدنيا ورهين سجِّين في الآخرة!
لقد خلقك اللهُ مزوَّداً بكل ما من شأنه أن يُعينك على أن تنتفع بدينه الذي كرَّمك به فيكون بمقدورك أن تناصب نفسك العداء وتجاهدها كادحاً على طريقه تعالى منضبطاً بضوابطه فيكون لك بذلك أن تصبح الإنسان الكامل الذي خُلقتَ لتكونه.
