بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كلٌّ ينادي بالإصلاح! والكل مشغولٌ بهذا الإصلاح تعريفاً وتحديداً لأبعاده وما ينبغي أن ينطوي عليه. والعجيب أن الداعين إلى الإصلاح يجمع بينهم قاسمٌ مشتركٌ هو حاجة كل منهم إلى أن يُصلح حاله مع الله تعالى، مادام هذا الحال يميِّزه كل ما يتَّصف به مَن أغفل اللهُ قلبَه عن ذكره وعن تذكُّر يوم الحساب! فما أجدر مَن يدعو إلى إصلاح حال الأمة بأن يُصلح هو نفسُه حالَه مع الله تعالى. فإصلاح الحال مع الله تعالى أولاً، ثم المناداة بإصلاح حال الأمة. ولكن “الإخلال في التراتبيات والأولويات” هو أبرز ما يميز الداعين إلى الإصلاح وهم الأكثر حاجةً إلى هذا الإصلاح من غيرهم. إن إصلاح الحال مع الله تعالى يتطلب منك الإقرار أولاً بأنك مازلتَ عبداً لهواك ولنفسك غير راغبٍ في الانعتاق من نَير أسرِهما لك. وهذا الإقرار منك يطالبك بأن تشحذ همَّتك وتصقل إرادتك وتبدأ في السير على طريق الله تعالى مبتعداً ما استطعت عن هذه النفس وهذا الهوى، وإلا فلا صلاحَ للحال مع الله تعالى وأنت نفسُك! ثم إن عليك أن تُقِر بأن حالَك السقيم مع الله تعالى مُطالِبُك بأن تجتهد فتفعل كل ما من شأنه أن يجعلك من عباده الذين هداهم إليه لأنه قد علِم فيهم خيراً فأسمعهم. وهذا ليس بالأمر اليسير مادام قلبك غير راغب في أن يُسلِم قياده إلى الله تعالى تصديقاً وحسن ظن.
إن إصلاح الحال مع الله تعالى كفيلٌ بجعلك قادراً على أن تنادي بالإصلاح دون أن تُخالط مناداتك هذه أية شوائب من نفسك فتلوِّثها وتجعلها تضل الطريق إلى قلوب مَن استهدفهم “إصلاحُك”. فالنفسُ، ما لم تصلح حالك مع الله تعالى، قادرةٌ على أن تجعل “نداءك الإصلاحي” ينقلب فيستحيل شيئاً آخر غير ما ينطوي عليه الإصلاح الذي عرَّفنا به قرآن الله العظيم على لسان سيدنا شعيب عليه السلام (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب) (من 88 هود).
أصلِح حالك مع الله تعالى بمعاداتك نفسك ومجاهدتها حتى لا يكون بمقدورها أن تجعل مناداتك بالإصلاح ملتاثةً بما انطوت عليه من خبيث الخصال وسيِّئها؛ فلا قدرةَ لخطابك الإصلاحي على أن يحقق مرادك منه ما لم يكن حالُك مع الله تعالى هو حال من كان من عباده الصالحين.
