أنت الفقيرُ إلى الله

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

رب إني لما أنزلت إلي من خير ففبركلُّ من خلق الله فقيرٌ إلى الله. هذه حقيقة من جملة الحقائق التي يأبى الإنسان أن يُقِر بها ويعمل بموجبها إلا ما رحم ربي. فقلةٌ قليلة من بني آدم أيقنت أن الله تعالى هو الغني وأن الإنسان هو الفقير إليه. وهذا الإيقان ليس بالأمر اليسير مادامت النفس لك بالمرصاد تعمل كل ما بوسعها للحيلولة دون أن تدرك هذه الحقيقة فتعمل بموجبها. فالنفس توهمك بأنك غني بهذا الذي تُخيِّل إليك أنك تمتلكه واقعاً وخيالاً! والنفس تعلم علم اليقين أنك ما أن تدرك حقيقة ما أنت عليه من فقر فإنك متوجِّه لا محالة إلى ربك الغني تعبده كما أمرك مسترزقاً إياه وسائلاً أن يعطيك ويغنيك. وهذا ما لا تريدك نفسك أن تفعله لأن فيه ما فيه من وقوعك على حقائق لا تريدك أن تحيط بها علماً. فأنت ما أن تشرع بتبيُّن الحقيقة حتى تبدأ هذه الحقيقة بالتجلِّي لك شيئاً فشيئاً فتنكشف لك بذلك حقيقة نفسك وتتبيَّنُ ما تضمره لك من عداء قديم موغل في القِدم. ولذلك تجتهد نفسك فتعمل كل ما بوسعها لتضمن أن تبقى أنت بمنأى عن أن تُمسك بأي نزر من الحقيقة، مادام في ذلك ما يتهدد وجودها الذي لن يبقى منه شيء ما أن تشرع بمجاهدتها قولاً وعملاً وحالاً. ومن ذلك أنها تُزيِّن لك حالَك حتى لا تدرك ما أنت عليه من فقرٍ فتبادر إلى ربك الغني تسترزقه. فإدراكك ما أنت عليه من فقر كفيلٌ بجعلك تغذ السير على طريق الله تعالى موقناً أن سيرك هذا هو المتكفل بجعلك تغتني من بعد فقر. وأنت ما أن تدرك هذه الحقائق كلها فلن يكون بمقدورك أن تعود إلى سابق عهدك من عبودية لنفسك وتعبُّد لها. وهذا ما لا تريدك هذه النفس المفتونة بهواها أن تفعله فيتحقق بذلك فناؤها.

لقد أيقن من ناصب نفسه العداء ما هو عليه من فقر إلى الله تعالى فكان في إيقانه هذا ما جعله غنياً بالله تعالى. وكلنا يتذكر ما كان من أمر سيدنا موسى عليه السلام بعد أن اضطر إلى الخروج من مدينته وهو خائف يترقب. فسيدنا موسى عليه السلام لم يكن هناك من أحد يلجأ إليه غير الله تعالى الذي سبق له وأن خبر منه الرزق فكان أن التجأ إليه يدعوه (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (من 24 القصص).

إن سيدنا موسى عليه السلام كان قد أدرك أنه فقيرٌ إلى الله تعالى فقراً بيَّنه القرآن العظيم بقوله الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (15 فاطر). وهذا الإدراك هو الذي بمستطاعه أن يعود عليك، إن أنت لزمته فلم تفارقه، بما عادَ به على كل من كان هذا هو حاله مع الله تعالى. ولقد صح عن أهل الطريق أنهم قالوا: “إذا صحَّ الافتقارُ إلى الله صحَّ الغنى بالله”. فاحرص على أن يكون حالُك مع الله تعالى حال المُفتقر دوماً إليه حتى يُغنيك فلا تفتقر إلى أحد سواه.

أضف تعليق