الحقد يتآكلك وتجرؤ على التبجح بحبك لله؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

أيها العبدتريدك نفسُك أن لا تخالف عن أمرها مادام في إطاعتك لها ما هو كفيلٌ بجعلك أسيرها فلا يتسنى لك أن تفارق ما حددته لك من كيفية تضمن بها دوام بقائك عديم الإرادة مادامت إرادتك الفرار منها هي أخشى ما تخشاه منك. ولذلك تراها توافقك الرأي وتُقرُّك على ما تذهب إليه من إعراض عن كل ما يدعوك إلى الإحسان. فالإحسان يطالبك بأن تعفو عن الناس وتغفر لمن أساء إليك منهم وتعرض وتصفح، مادام في هذا ما يجعلك مجاهداً لنفسك مناصباً لها العداء. ونفسك تريدك أن تظل ضالاً في متاهاتٍ خطَّتها لك بمكرٍ ودهاء حتى لا تفكر بالخروج على أمرها وعصيانها، ولذلك تراها لا تريد لك أن تنتهج ما يقرِّبك إلى الإحسان من قولٍ أو فعل. فإن أنت عاديتَ أحدهم تكفلت هي بأن توفر لك ما يجعل هذا العداء يستحيل حقداً دفيناً مترسخاً في قلبك، وذلك بتزويدك بأسبابٍ تؤجج بها نار هذا الحقد وتُبقيها مستعرةً مضطرمة تطالبك بأن لا تجعل العفو والمغفرة يتسللان إلى قلبك. وبذلك يتأتى لها أن تبقى أنت رهين هذا الحقد الذي ما أن توطِّن له في قلبك مساحةً، ولو بحجم حبة من خردل، حتى يشرع بالنمو المضطرد فيزداد رويداً رويداً حتى يملأ قلبك كله فتصبح كياناً حاقداً يقطر حقداً.

والنفسُ، إذ تحرص على ألا تجعل من الإحسان منهجك في التعامل مع الآخرين، فإنها تريدك بذلك أن يبقى القلب منك مشغولاً بهذا الحقد عن أن ينشغل بمن خُلقت لتعبده. فقلبك لا يمكن أن يشغله ساكنان. وجوفك لا يحتوي إلى على قلب واحد فحسب (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (من 4 الأحزاب)؛ فإن أنت شغلتَ قلبك بالحقد على عدوك فلن يعود بمقدورك أن تنشغل بالله تعالى كما ينبغي. وانشغالك عن الله تعالى بحقدك على عدوك كفيلٌ بجعلك تنأى بعيداً عن النور الذي كان انشغالك بمن خُلقت لتعبده كفيلاً بجعلك تترقى به بعيداً عن نفسك التي لا سبيل للخلاص منها بقوة بدنك أو برجاحة عقلك. فالنفس كيان ميتافيزيقي لا قدرة لغير نور الله تعالى على تخليصك من براثنه التي تمسك بك بلطف يجعلك لا تشعر بوطأة تمسُّكها بك وتشبُّثها بقلبك الذي لا سبيل لها إليه إلا بما تملؤه به أنت من حقد على عدوك.

إن نفسك نارٌ تريدك أن تواظب على تأجيجها بهذا الحقد الذي لا تريدك أن تتخلى عنه بلزومك الإحسان منهاجاً لك في التعامل مع عدوك. وأنت إذا ما جافيتَ الإحسان فنأيت بنفسك عنه فلن يعود ذلك عليك إلا بمزيد قسوة وغلظة بوسعهما أن يجعلا قلبك يزداد انصرافاً عن الله تعالى. فكيف تجرؤ على التبجُّح بأن حب الله تعالى يشغل قلبك وقلبك ممتلئ بكل هذا الحقد الذي وافقتَ نفسك على أن تقدَّمه لها وقوداً يبقي نارها مستعرة متأججة؟!

أفرغ قلبك من الحقد واحرم نفسك من وقودها وتفرَّغ لله تعالى بقلبك الفارغ من كل ما يشغلك عنه. تذكر أن ما من شيء بوسعه أن يجعل القلب ممتلئاً به سوى حقدك على عدوك؛ فالحقد والحب ضديدان لا يجتمعان. فلا تنشغل بحقدك على عدوك عن ربك الذي خُلقتَ لتعبده. وتذكر أن حبك لمن خُلقتَ لتعبده يطالبك بأن تبرهن على صدقك وذلك بأن تسلم أمر عدوك لربه وربك فلا تنشغل بمن كفاك اللهُ تعالى أمره فتُشغل قلبك به فتنشغل بنفسك التي أبداً لن تكون عونك على عدوك.

فرِّغ قلبك من الحقد على عدوك واملأه بحب مَن بوسعه أن ينجيك منه وإلا ستبقى بهذا الحقد أسير عدوك الذي ارتضت نفسك أن يشاركها الاستحواذ عليك مادام في ذلك ما يكفل لها دوام عبوديتك لها.

أضف تعليق