أهل محمد وآله صلى الله تعالى عليه وسلم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

اللهم صل على محمد وغلى آل محمدتحدثت في المنشور السابق عن الفرق بين آل بيت النبوة، أهل البيت، آل البيت، وبين باقي مَن ينتسب إلى حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم انتساب الدم. فليس كل مَن جرت في عروقه دماء حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو بالضرورة من آل بيته الأطهار. ولقد ذكرتُ في ذلك المنشور أن هناك علاماتٍ يُعرف بها آل بيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، منها ما ورد في قرآن الله العظيم مُحدِّداً إياهم بأولئك الذين تتنزَّل عليهم رحمة الله وبركاته، الذين أذهب اللهُ تعالى عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً وآتاهم الكتاب والحكمة والمُلك العظيم. وهذه علامات لا يمكن توقُّع انتشارها في عموم الذرية المحمدية مادامت هذه العلامات تتطلب أفراداً يتميزون بمواصفات خاصة ما تفرَّدوا بها إلا من بعد مجاهدات ومكابدات سيراً على طريق الله تعالى بالجد والاجتهاد وببذل كل ما هو عزيز على الإنسان. فآل البيت هم قلة قليلة مجتباة مختارة اصطفاهم الله تعالى بسببٍ مما تميَّزوا به من عبادات انفردوا بها صدقاً وإخلاصاً عن باقي أفراد الذرية المحمدية. وهؤلاء ما كان لهم أن يفوزوا بهذا المقام الشريف بسببٍ من انتسابهم هذا، وإلا لكان كل أفراد هذه الذرية جميعاً أصبحوا من آل البيت بشهادة ما يُجريه الله تعالى على أيديهم من خوارق عادات وكرامات وعجائب وغرائب لستَ بواقعٍ عليها عندهم.

ولقد أشار القرآن العظيم إلى استحالة أن تكون كل ذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام من آله فيستحقُ بذلك أفراد هذه الذرية كلهم جميعاً من عظيم فضل الله تعالى ما اختُص به آل ابراهيم كراماتٍ وخوارق عادات وغير ذلك من تجليات رحمة الله وبركاته وتطهيره. لنتذكر الآية الكريمة (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين) (124 البقرة). فالآية الكريمة واضحة الدلالة على أن من ذرية سيدنا إبراهيم مَن هو غير أهلٍ لأن يكون من آله عليه السلام.

ولقد جاء في هذا القرآن أيضاً ما بوسعنا أن نفيد منه ونحن نؤصِّل لهذا الذي يتمايز به الآل عن باقي الأهل. لنتذكر الآيات الكريمة من سورة هود عليه السلام التي وثَّقت لما جرى بين سيدنا نوح عليه السلام وربّه عز وجل بعد أن انتهى الطوفان مباشرة (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44)وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (44-46 هود). فسيدنا نوح عليه السلام كان يظن واهماً أن ابنه من أهله. وهذا ما لم يقرُّه الله عليه؛ إذ صحَّح له تعالى الأمر مُبيِّناً أن ابنه ليس من أهله. وهذا دليل قرآني آخر على أن ذرية النبي ليس من المحتم أن يكون أفرادها كلهم جميعاً من المؤمنين الذين يعملون الصالحات.

وهذا الفرق بين “الأهل” و”الآل” قد أشار إليه هذا القرآن في مواطن كثيرة. فأهل سيدنا لوط عليه السلام هم ليسوا آله، مادامت إمرأته ليست واحدةً من آله. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ(33)إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ(34)نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) (33-35 لوط)، (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون) (56 النمل). فاللهُ تعالى أنبأنا في هذا القرآن العظيم بأنه نجَّى سيدنا لوطاً وأهله إلا امرأته (فأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِين) (57 النمل)، (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين) (83 هود). فامرأة سيدنا لوط عليه السلام كانت من الكافرين بشهادة الآية الكريمة (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (10 التحريم). وامرأة سيدنا لوط عليه السلام كانت من أهله إلا أنها لم تكن من آله، مادامت لم تكن من أهل بيته المؤمنين المسلمين: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32)لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33)مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34)فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(35)فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(36)وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (32-37 الذاريات).

إذاً فـ “الأهل” هم أوسع وأشمل من “الآل”، مادام الآل هم الأهل الذين آمنوا وعملوا الصالحات واتَّبعوا من أرسله اللهُ تعالى نبياً، ومادام من الأهل مَن آثروا ألا يتَّبعوه. تدبَّر ما ورد في القرآن العظيم من ذكر للآل إذ هم مَن اختار أن يؤمن بالله تعالى ويعمل صالحاً من أهل الأنبياء عليهم السلام: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (248 البقرة)، (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (54 النساء)، (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (6 يوسف)، (ِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ(59)إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) (59-60 الحجر)، (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (5-6 مريم)، (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور) (من 13 سبأ).

إذاً فالآل هم من الأهل وليس الأهل كلهم آلاً. وبذلك تكون ذرية حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من أهله وليسوا كلهم آله.

أضف تعليق