أن تعي ما تقول وأن تعني ما تقول

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كونوا مع الصادقين

قد يسأل سائل: “وكيف السبيل إلى أن أكون من المؤمنين العابدين المحسنين المسبِّحين حتى يكون لي أن آمل بأن ينعم الله تعالى عليَّ من خوارق العادات ما سبق وأن تفضَّل به وأنعم على أنبيائه الكرام عليهم السلام، مادام الله قد جعل إنعامه هذا مشروطاً ومحدداً بعبادته تعالى؟”. والإجابة عندي هي بأن يكون جلياً لدى السائل أن الأصل في العبادة هو “أن تعي ما تقول وتعني ما تقول”. فليس كل مَن نطق لسانه بـ “لا إلهَ إلا الله” يعي ما تعنيه هذه العبارة الجليلة، وليس كل من يقول “الله أكبر” يعني ما توجبه هذه العبارة الشريفة من وجوب أن لا يكون هناك من هو أكبر عنده من الله تعالى! وكذا الحال مع باقي ما نقول به من عبارات جليلة شريفة توجبها علينا فرائض الدين وأركانه. فكم من مرة ذكرنا فيها الله تعالى بألسنتنا وقلوبنا مشغولة بسواه؟! وكم من صلاةٍ توجَّهنا فيها إلى الله تعالى وقلوبنا منشغلة عنه بغيره؟! وكم من مرة شرعنا بتسبيح الله تعالى وحمده ولساننا في واد وقلبنا في واد آخر؟!

من المؤمنين رجال

وهذا هو بعضٌ مما بوسعك أن تصف به حال الغالبية العظمى من “المتدينين” الذين فاتهم أن التدين الحق هو بأن يسبق قلبك لسانك إلى ذكر الله انشغالاً به عمن سواه. إن ما نحن عليه من سيء حال مع الله تعالى قد أوقعنا فيه هذا الذي ظننا أنه “التديُّن الحق” وما هو بذلك. فاللهُ تعالى لا يقبل منك إلا ما صدر عن قلبك وأنت تعي ما تقول وتعني ما تقول. والأمر شبيه بحال مَن هو صادق في حبه إذ يقول لمن يحب إنه يحبه، وذلك بالمقارنة مع من يزعم أنه يحب وقلبه لا يقر له بذاك.

إن ما ميَّز أنبياء الله تعالى عن باقي أفراد الجماعة الإنسانية هو هذا الذي انفردوا به بتعبُّدهم لله تعالى إخلاصاً له صادقاً جعلهم يعون ما يقولون ويعنون ما يقولون إذ يذكرونه ويسبِّحون بحمده.

وبذلك فإن السبيل إلى أن تكون سائراً على طريق الله تعالى، والذي سار عليه من قبلك أنبياؤه ورسله الكرام عليهم السلام، يحتِّم عليك أن تكون عباداتك لا يخالطها شيء مما تفيض به النفس من شوائب وملوِّثات، مادام الله تعالى لا يصعد إليه، ولا يرفع، من الكلم والعمل إلا ما كان طيباً وصالحاً، وهذان ليس هناك من سبيل إليهما وأنت عاجزٌ عن أن تحول بينهما وبين نفسك التي تحرص على ألا يصدر عنك قولٌ أو فعل إلا ونالهما ما تُصر على أن تنفثه فيهما من زعاف سمِّها.

إن طريقك إلى خوارق عادات الأنبياء عليهم السلام شاق عسير، مادام الأمر يتطلب منك أن تجاهد نفسك هذه فتقف لها بالمرصاد حائلاً بينها وبين أن يلتاث قولك وعملك بما يفيض عنها، وهذا يتطلب منك أن يكون قولك وعملك صادرين عنك لا كما اعتدتَ ولكن كما ينبغي عليك أن تتوجّه بهما إلى من خلقك لتعبده، وذلك بأن تعي ما تقول وتعني ما تقول فلا يصدر عنك من القول ما يكذِّبه عملك فتكون من المنافقين.

إنك مطالَب على الدوام بأن تدرك أنك ما خُلقتَ إلا لتعبد الله تعالى، وأن هذا يحتِّم عليك أن تعمل على أن يجيء قولك وعملك متقناً ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. والإتقان هذا يوجب عليك أن تحرص على أن تكون مدركاً أن ما ينبغي أن تكون عليه من حال مع الله هو حال مَن أيقن أنه تعالى لا يرضى منه إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم من أية مخالطة لسواه، وهذا يوجب عليك أن لا تنسى أن تعي دائماً ما تقول وتعني دائماً ما تقول وأنت تخاطب الله تعالى بقولك وعملك متعبداً كما أُمرت.

أضف تعليق