بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
للأنبياء عليهم السلام معجزات اختُصوا بها وتفردوا. وهذه المعجزات هي دليل وبرهان النبوة التي اختصهم الله تعالى بها فاختارهم رسلاً يبلَّغون رسالاته. وما كان لغير الأنبياء عليهم السلام أن يُجري الله تعالى على يديه أياً منها، فهي البرهان الذي يقطع بصدق الأنبياء عليهم السلام مادام لا قدرةَ لأحد على أن يأتي بمثلها. فالمعجزات ظواهر خارقة للعادة تُعجز الخلق عن أن يكون بمقدورهم كلهم جميعاً أن يأتوا بمثلها. فكل معجزة من معجزات أنبياء الله تعالى عليهم السلام هي كمعجزة القرآن العظيم التي أنبأنا الله تعالى بشأنها ما بوسعنا أن نقع عليه بتدبُّرنا الآية الكريمة 88 من سورة الإسراء (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا). إذاً فكل معجزةٍ أجراها الله تعالى على يد كل واحدٍ من أنبيائه الكرام عليهم السلام لن يستطيع أن يأتي بمثلها جن هذا الكون وإنسه ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. ومن هنا جاء إسم “المعجزة”. فالمعجزة تُعجِز الخلق كلهم جميعاً عن أن يكون بمقدورهم أن يأتوا بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
إلا أن لأنبياء الله تعالى خوارق عادات هي ليست من المعجزات مادام بإمكان الغير أن يأتي بمثلها إذا ما استوفى شروطها. وخوارق العادات هذه التي أجراها الله تعالى لأنبيائه عليهم السلام كانت جزاء ما كانوا عليه من حالٍ مع الله تعالى تعبُّداً صادقاً وتقوى (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (21-22 يوسف). فالله تعالى آتى سيدنا يوسف عليه السلام حكماً وعلماً لأنه كان من المحسنين. وكذلك آتى اللهُ تعالى سيدنا موسى عليه السلام حكماً وعلماً لأنه كان من المحسنين أيضاً (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين) (14 القصص). واللهُ تعالى نجَّى سيدنا يونس عليه السلام من غمِّه لأنه كان من المسبِّحين (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون) (143-144 الصافات).
إن ما تقدم هو غيضٌ من فيض خوارق عادات الأنبياء عليهم السلام التي بوسعك أن تشق طريقك إليها وذلك بأن تكون أنت أيضاً من المحسنين والمسبِّحين. ولمن لا يعجبه هذا الكلام، ممن يؤثر التنطُّع والتعسف، أوصيه بتدبر الآيات الكريمة التالية: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (83-84 الأنبياء)، (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (87-88 الأنبياء).
إذاً إذا أردت أن تشفى من سقمك كما شُفي سيدنا أيوب عليه السلام، فعليك أن تكون من العابدين. وإذا أردتَ أن ينجيك الله تعالى من كل غم كما نجى سيدنا يونس عليه السلام من غمه، فعليك أن تكون من المؤمنين.
إذاً فطريقك إلى خوارق عادات الأنبياء عليهم السلام هو لا أكثر من أن تكون مؤمناً عابداً محسناً مسبحاً.
