بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

خلق الله آدم إنساناً في أحسن تقويم، ثم كان ما كان ورُد الإنسان أسفل سافلين بأكل آدم وزوجه من الشجرة التي نُهيا عنها. ولقد استثنى قرآن الله العظيم من هذا المصير الجهنمي من ذرية آدم مَن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِين. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون) (4-6 التين). وإذا كان آدم قد خُلق في أحسن تقويم، فإن خِلقته هذه لم يجعلها الله تعالى مقتصرةً عليه فلا تتعداه إلى مَن شاء من ذريته أن يسير على طريق الله تعالى منضبطاً بمحدِّداته وضوابطه فيكون له بالتالي أن يصير إنساناً في أحسن تقويم محقِّقاً بذلك الغاية من خلقه. فالله تعالى ما أمرنا بعبادته لحاجةٍ في نفسه، ولكنه أمرنا بأن نعبده لأن العبادة هي السبيل الوحيد لتحقيق هذه الغاية. إن عبادة الله تعالى بمقدورها أن تصلح ما تضرر من بُنية الإنسان بسبب من أكل أبويه من الشجرة المحرمة، وذلك لأن هذا الضرر لا قدرةَ لغير العبادة على أن تصلحه مادامت العبادة هي السبيل الوحيد الذي يمكِّن الإنسان من أن يقترب من نور الله تعالى، ومادام هذا النور الإلهي هو وحده مَن بمستطاعه أن يتغلغل عميقاً داخلاً من بُنية الإنسان ليصل إلى مكامن “الضرر الآدمي” فيتسنى له بذلك أن يشفى منه. ولذلك كانت العبادة وكان الدين وجاءت الرسل من الله تعالى بالرسالات الإلهية مفصَّلةً صحفاً وكتباً مقدسة. فالدين ما جاء بمنهاج التعبُّد لله تعالى إلا لأن الإنسان ما كان له أن يصل بعقله إلى هذا المنهاج فيتسنى له بذلك أن ينتهجه فيشفى من علَّته التي ابتُلي بها بأكل أبويه من الشجرة.
إن الإنسان ليس بمقدور عقله، الذي نشأ وترعرع في ظل هذا الواقع، أن يتصوَّر واقعاً آخر كان من وراء تضرُّره الذي أبداً لن يكون بمقدوره أن يحيط به على ما هو عليه حقاً وحقيقة مادام هذا التضرر قد تسببت به علة من غير واقعه هذا، فكان من المستحيل عليه بالتالي أن يجد لهذه العلة علاجاً شافياً. ولقد كفل للإنسان هذا المنهاج التعبدي الذي جاء به الدين أن يكون بمقدوره لا أن يُصلح ما كان قد تضرر من بُنيته فحسب، ولكن أيضاً أن يصبح قادراً على أن يرتقي ليغدو إنساناً في خِلقة جديدة عرَّفنا بها قرآن الله تعالى بقوله عنها إنها خِلقة “أحسن تقويم”. وهذه “الخِلقة العجائبية” لم يكن للإنسان أن يعلم عنها شيئاً لولا أن الله تعالى قد أنبأه بها.
إذاً فالدين سبيلك إلى إصلاح ما كان قد تضرر من بُنيتك بأكل أبويك من الشجرة المحرمة، وهو أيضاً سبيلك لتغدو إنساناً في أحسن تقويم فتحقق بذلك ما خُلقت لأجله. فإذا كان الله قد أبانَ في قرآنه العظيم أنه ما خلق الجن الإنس إلا ليعبدوه، فإنه تعالى قد أضمر ما بمقدور هذه العبادة أن تفضي إليه من “كينونة إنسانية أخرى” ما كان للإنسان أن يتصور إمكانية لتحققها.
إذاً فالدين لم يفرضه الله تعالى عليك إلا رحمةً بك لتشفى من “سقمك الآدمي”، وليكون بمقدورك أن ترقى فتصبح إنساناً آخر يعجز خيالك عن تصور ما بوسعه أن يقوم به من عجيب الأمور وغريبها. لقد خلقك الله تعالى لتكون إنساناً خارقاً وليس لتبقى أبد الدهر أسير ما حددتك به أكلة أبويك من الشجرة التي نُهيا عنها.
