بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يفاخر العلم بأنه قد أحاطَ بكل ما يحدث في هذا الوجود معرفةً يتوهم أنها تبيح له أن يقطع ويجزم ويبت فلا من أحد بمقدوره أن يجيء بما هو مخالف لما يظن هذا العلم أنه الحقيقة الكاملة المطلقة التي وقع عليها! ولذلك فلن تتوقع من العلماء، الذين قُيِّض لهم أن يصيغوا نظريات هذا العلم، أن يوافقوا ما جاء به قرآن الله العظيم من حقائق مادامت هذه الحقائق ليست مما أُتيح لهم أن يصلوا إليها بعقولهم الجبارة! فالعلم المعاصر لا وجود لله تعالى فيه مادام كل ما يحدث في هذا الوجود قد استطاع هذا العلم أن يعلل له دون أن يكون هناك من داع لافتراض وجود ما يقول به الدين من أن هناك إلهاً هو الله تعالى خلق الوجود بكل ما فيه من موجودات وهو المسؤول عن إمداد أحداث هذا الوجود بما تحتاج إليه من طاقة كيما يتسنى لها أن تحدث. وهذا العلم يحكم على الحقائق التي ينطوي عليها الدين بأنها ميتافيزيقا لا شأن له بها مادامت لا تخضع لمنهجه الذي مكَّنه من أن يعلل لكل ما يحدث في هذا الوجود استناداً إلى قوانينه التي تمكن من اكتشافها. ولقد فات العلم أن بنيانه المعرفي لا قيام له بهذه القوانين فحسب، وذلك طالما استدعى هذا البنيان أن يؤسَّس له بالاستناد إلى نظريات فيها من الميتافيزيقا ما يجعل من هذا العلم لا يختلف في شيء عن الدين الذي يتهمه بأنه بنيان ميتافيزيقي!
على أي حال، فلقد جاءنا دين الله تعالى بحقائق عن الوجود إن نحن استفتينا العلم بشأنها فلن يجود علينا بما يشفي الغليل، طالما كانت هذه الحقائق لا تتفق مع تصوره “العلمي” للوجود وأحداثه وظواهره. ولذلك فإننا مطالبون بأن نكف عن هذا الذي درجنا على الأخذ به من محاولات للتوفيق بين العلم والدين، طالما كان الدين ينطوي على “حقائق” لا يقر العلم بأنها كذلك، وطالما كان العلم ذا بنيان نظري فيه من “الافتراضات” ما يتناقض مع ما جاء به الدين.
ومما جاء به الدين هو هذا الذي أنبأنا به قرآن الله العظيم من أن الله تعالى يُمسك الوجود حتى لا يزول. فهذا الوجود مستقر بسببٍ من تواجد الله تعالى فيه. ولولا هذا التواجد الإلهي لما كان للوجود أن يكون موجوداً. والأمر شبيه بكأس الماء الذي إن أنت كففت عن حمله سقط وانكسر. لنتدبر الآية الكريمة التالية: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (41 فاطر). فزوال السموات والأرض حتمي إذا ما أحجم اللهُ تعالى عن أن يمسك بهما. وهذا ما أكدته آية كريمة أخرى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (من 65 الحج). إذاً فلولا أن الله تعالى يمسك بالسماء لوقعت على الأرض. وهذا ما لا يوافق عليه العلماء الذين خُيِّل إليهم أنهم قد أحاطوا علماً بصغير ما يحدث في هذا الوجود وكبيره! فالكون، وفقاً لما يظن ويتوهم هؤلاء، لا يحتاج إلى من يمسك به مادامت موجوداته متماسكة بسببٍ من قوة الجاذبية التي استقر بها هذا الوجود! وأنصار ما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن يناصرون العلماء فيذهبون مذهبهم فيفسرون هاتين الآيتين الكريمتين على أنهما تشيران ضمناً إلى قوة الجاذبية التي يتحدث عنها العلم! وهذا ما لا ينبغي لمتدبر القرآن العظيم أن يقول به مادامت هذه القوة محدودةً بمحدِّدات قانون الجاذبية العام؛ هذا القانون الذي لا يمكن بحال أن يُماهى بينه وبين الله تعالى الممسك بهذا الوجود وموجوداته كلها جميعاً صغيرها وكبيرها! ويكفي برهاناً على فساد رأي أنصار ما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن، ما سيحدث للوجود يوم القيامة من “زوال لحظي” ما أن يكف الله تعالى عن أن يمسك به. فلو صح ما يقول به هؤلاء، في انتصارهم لما يقول به العلماء، لما كان للقيامة أن تجيء يوماً! فقانون الجاذبية العام لن يزول هكذا ومن تلقاء نفسه حتى تزول السموات والأرض! إن زوال الوجود أمرٌ حتمي يوم القيامة، وذلك لأن الله تعالى أخبرنا بذلك. وهذا الزوال للوجود متحقق بزوال ما يحول دون أن يزول، وهذا هو ما تتكفل به يد الله تعالى التي تمسك بالوجود فتحول بذلك دون أن يزول.
إن الموقف الصحيح من العلم ومن الدين يقضي بأن يكون العلم محدوداً بحدود واقعه الذي نشأ عنه، وأن لا تحد الدين حدود طالما كان الدين غير محدود بواقع مادام هو دين الله تعالى المتعالي على كل واقع.
