الارتقاء من أسفل سافلين إلى أحسن تقويم بالايمان والعمل الصالح

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ان الانسان

قد يظن من يقرأ القرآن العظيم دون تدبُّر لآياته الكريمة أن فيه تناقضاً، كما قد يوحي بذلك ما يُتوهَّم من تضاد وتعارض بين آيات فيه وأخرى. ومن ذلك أن الله تعالى قد أنبأ في سورة التين أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، بينما يحفل هذا القرآن بعدد غير قليل من الآيات الكريمة التي استفاض اللهُ تعالى فيها بتعداد ما يتميز به هذا الإنسان من سيء الخصال وما انطوى عليه من رديء الطباع. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 الإنسان)، (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) (من 9 هود)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (من 34 إبراهيم)، (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِين) (4 النحل)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (من 11 الإسراء)، (َكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) (67 الإسراء)، (َإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) (83 الإسراء)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (من 100 الإسراء)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (من 54 الكهف)، (إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (من 72 الأحزاب)، (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ) (49 فصلت)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (19-21 المعارج)، (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) (17 عبس)، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (4 البلد)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (من 6 العلق)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيد. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد) (6-8 العاديات)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر) (2 العصر). فإذا كان الله تعالى قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، فكيف يكون هذا الإنسان منطوياً على كل ما تقدم من صفات فصَّلتها هذه الآيات الكريمة وبما يتناقض ويتضاد مع ما يُفهم من خِلقة “أحسن تقويم”؟

لقد أبان الله عن حقيقة تخص هذا القرآن مفادها أنه لو كان من عند غيره تعالى لوجدنا فيه من الاختلاف الكثير تناقضاً وتعارضاً وتضاداً بين آياته ما نحن بواجديه إذا ما شرعنا بتفحص غيره من الكلام (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء). فاللهُ تعالى خلق آدم إنساناً في أحسن تقويم. وآدم بأكله من الشجرة التي نهي عنها حتَّم على الإنسان أن تكون ذريته بهذه الصفات التي فصَّلتها آيات القرآن العظيم.

إذاً فلا تناقض هناك ما دام من خُلق في أحسن تقويم هو سيدنا آدم عليه السلام، وطالما من كان بهذه الصفات الرديئة هو الإنسان من ذريته التي التاثت بأكل آدم من الشجرة. إلا أن هذا القرآن قد بيَّن لنا أن الناس ثلاث. فمنهم من هو في أسفل سافلين، ومنهم من هو في أحسن تقويم، وآخرون يحاولون جاهدين أن يرتقوا من أسفل سافلين إلى أحسن تقويم. فمقام “أحسن تقويم” هو مقام خِلقة آدم عليه السلام وهو أيضاً مقام من سار على طريق الله تعالى من ذريته بجد واجتهاد وصدق واعتقاد فأوصله هذا إلى هذا المقام الشريف.

إذاً فسورة التين تعلِّمنا أن الله تعالى خلق آدم في أحسن تقويم، ثم كان على ذريته أن تُرد أسفل سافلين بأكله من الشجرة التي نُهي عنها، إلا من اختار أن يؤمن بالله ويعمل صالحاً فيكون له بذلك أن يرتقي إلى ما كان عليه آدم يوم خُلق في أحسن تقويم.

أضف تعليق