بالعين المجردة وبالمجهر وبالمرقاب تدبَّر آيات ربك العزيز الوهاب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

radio telescope

ليس بالأمر الهيِّن أن تقول “آمنتُ بالله”! فهذا القول يستدعي منك أن تشرع بشن ثورة على منظومتك الفكرية تزلزلها زلزلة تطيح بما هو سائد وتقلب ما هو مستقر، هذا إن كنت صادقاً. فلا يعقل أن يستوي حالك مع حال من لا يقول بأنه يؤمن بالله، فتكون نظرتك إلى الأمور متطابقةً مع نظرته المستندة إلى رؤية للوجود وأحداثه تستبعد أي تواجد لله في هذا الوجود وأي تدخل له تعالى في أحداثه! إن قولك إنك آمنتَ بالله، إذ هو ثورة معرفية عقائدية، يطالبك بأن تعيد كتابة الكثير الكثير مما كنت تظن أنه الحق الذي لا مراء فيه، مادام هذا الكثير قد صاغه آخرون ممن لم يكن الله تعالى ماثلاً لناظرهم وهم يصيغون ما ظننتَ يوماً أنها الحقيقة التي لا شك فيها. وهكذا تستدعي منك هذه الثورة أن تنظر إلى الوجود بعين عقلٍ، إن أعجزها أن تنظر إليه فترى الله تعالى وهو يصنع أحداثه بتدخلٍ إلهي من وراء حجاب الأسباب، فلا ينبغي أن يُعجزها ما يتوجب عليها أن تفرضه على رؤيتك من وجوب أن لا تستبعد تدخل الله تعالى هذا، فيكون ما تراه من أحداث هذا الوجود هو غير ما يراه غيرك ممن لا يعني له الله شيئاً.

وبذلك تكون نظرتك سواء بعينك المجردة، أو من خلال المايكروسكوب (المجهر) أو التلسكوب (المرقاب)، إلى ظواهر هذا الوجود بوسعها أن تعزز إيمانك بالله تعالى وأنت ترى مديات قدرته وعظيم إحاطته بالأمور كافة صغيرها وعظيمها. إن قولك إنك آمنتَ بالله يوجب عليك أن تضطر عقلك إلى ألا يتشتت تركيزه على حقيقة أنه تعالى متواجد في هذا الوجود، وهو يتدبر ما يحدث فيه. وهذا ليس بالأمر اليسير مادام “المرئي” على هذا القدْر من الإبهار. ولذلك كان “العلم” بمقدوره أن يجعلك تزداد إيماناً بالله إن أنت أصررت على إقحام إيمانك به تعالى في كل صغيرة وكبيرة تطالها يد هذا العلم ملاحظةً وتدبراً واختباراً وتجريباً. كما أن بمقدور هذا العلم أن يبدِّد ما أنت عليه من إيمان بالله تعالى إن هو نجح في تشتيت انتباهك بما يعرضه لك من ظواهره ومفرداته. إن مأساة العلم المعاصر تكمن في هذا الذي جار به عليه “علماء” ظنوا أنهم قادرون على أن يحيطوا بأحداث هذا الوجود دون حاجة منهم إلى إقحام التواجد الإلهي فيه. وهذا ما تسبب في جعل الكثير ممن انبهروا بـ “علم هؤلاء العلماء” يستبعد حقيقة أن الله تعالى متواجدٌ في هذا الوجود، وإن كان هذا “العلم” لا يقر بذلك.

ولذلك فإن ما ينبغي عليك فعله، لا لتُبقي على ما عندك من إيمان بالله تعالى فحسب، ولكن لتجعله يزداد ويضطرد، هو لا أكثر من أن لا تنسى أن تتذكر أن الله تعالى حاضرٌ متواجد حي فاعل متفاعل، مهما أنكر ذلك “علم العلماء”. وبذلك تشرع بالسير على طريق الله تعالى وأنت موقن أن انبهارك بما بمقدور “العلم” أن يفاجئك به وأنت تنظر إلى “ظواهره” بعينك المجردة أو من خلال المجهر أو المرقاب، هو انبهار بصنع الله الذي أتقن كل شيء، وأن هذا الإنبهار لابد جاعلك تزداد إيماناً بالله تعالى فوق إيمانك مادمت مصراً على ألا تستبعد مَن قُلت إنك آمنتَ به (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (88 النمل).

أضف تعليق