بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ينبؤنا القرآن العظيم بأن أكثر الناس لا يعلمون شيئاً عن بواطن الأمور وخفاياها ومآلاتها، وأنهم في غمرة انشغالهم بهذه الحياة الدنيا وعيشهم فيها لهواً ولعباً، قد غفلوا عن الآخرة فلا يعلمون عنها هي الأخرى شيئاً (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون) (من 6-7 الروم). وهذا الذي أكثر الناس هم عليه من نأي عن الحقيقة وانشغال بالواقع، ليس بالأمر المستغرب ولا بالمستعجب، مادام واحدهم قد ارتضى أن يُسلِم قياد عقله إلى نفسه التي جُبلت على ألا تجعل هذا العقل مشغولاً بما قد يفضي به إلى شحذ إرادته، وبما يتكفل بشروعه بالعمل على التحرر من أسرها له. فالإنسان يستسهل هذا الانصياع منه لنفسه مادامت هي لا تطالبه إلا بأن يعمل وفق ما يُمليه عليه هواها الذي يزيِّن له سوء عمله فيراه حسناً فلا يكون هناك ما يستدعي أن يجاهد نفسه ويحاربها لأجله.
إن انصراف أكثر الناس عن كل ما هو ذو صلة ببواطن الأمور وحقائقها قد أوجبه وحتَّمه ما هم مشغولون به من حرص على الولوغ والتخبط في متاهات هذه الحياة الدنيا التي أشغلتهم عن العمل على أن ينأوا بأنفسهم بعيداً عن شباكها وشراكها بهذا الذي حرصت على أن تقيِّدهم به من خوض في غمار التباهي والتفاخر والتكاثر فيما بينهم! فمادام الإنسان مشغولاً بهذه الحياة الدنيا، خوضاً في ترهاتها وتوافه أشيائها وسفاسفها، فلن يكون بالتالي بمقدوره أن يسعى وراء الحقيقة مادامت هذه تطالبه ببذل الغالي قبل الرخيص ثمناً يبرهن به على صدقه في طلبها.
إن انشغال الإنسان بظاهر الحياة الدنيا لا يعني على الإطلاق أن الحياة الدنيا هي ظاهر فحسب! فهذه الحياة الدنيا قادرةٌ على أن تكشف لك عن باطنها إذا ما أنت كنت أهلاً لذلك، وذلك بأن تكون ذا همة عالية وإرادة ماضية ومقدرة على أن تقول “لا” كلما طلبت منك نفسك أن تفعل ما يديم تحكُّمها بك فتُحكِم بالتالي سيطرتها عليك. وباطن الحياة الدنيا هذا، إذا ما أنت وقعتَ عليه، فسوف تعجب لما هو عليه من مخالفةٍ لما هو ظاهرها. فإذا كان ظاهر الحياة الدنيا يوافق ما تدعوك إليه نفسك من انشغالٍ بها عن الحقيقة، فإن باطنها يكشف لك عن حقيقة نفسك هذه التي تريدك أن تكون لها فلا تكون لغيرها حتى وإن كان هذا الغير هو من بمقدوره وحده أن يأخذ بيدك إلى بر نجاتك من العذاب في الدنيا والآخرة. إن باطن الحياة الدنيا، إذا ما أنت وقعتَ عليه وانشغلتَ به، قادر على أن يكشف لك النقاب عن حقيقة هذه الحياة الدنيا، وأنها ليست كل ما هنالك طالما كانت هي لا أكثر من حجاب يحول بينك وبين أن تنظر إليها فتتبيَّنها على حقيقتها التي هي لا أكثر من وهم، إن أنت صدَّقته فقد فاتك أن تعرف أن هناك آخرةً قادمةً لا محالة يجدر بك أن تستعد لها قبل أن تفاجئك بغتةً فتُلقى في نارها مخلداً أبد الآبدين.
