بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قد يُظَن بأن في السجود لغير الله تعالى ما فيه من إشراك وكفر يجعلان منه عملاً غير صالح لا يقارفه إلا من كان كافراً غير مؤمن بالله تعالى! ولكن للقرآن العظيم قولاً آخر بوسعنا أن نحيط به بتذكرنا الآيتين الكريمتين التاليتين من سورة يوسف: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(5)). فلو كان في هذا الذي رآه سيدنا يوسف عليه السلام شيء من كفر أو شِرك أما كان يجدر بسيدنا يعقوب عليه السلام أن يبيِّنه له حتى لا ينشأ وهو يظن أن لا ضير في السجود لغير الله؟! ثم ألم يذكر القرآن العظيم أن أخوة سيدنا يوسف عليه السلام قد سجدوا له بعد أن تبيَّن لهم ما تبيَّن بشأن ما كانوا عليه من بُعد عن الله تعالى جعلهم يخطؤون الحسابات فيظنون أنهم بتخلُّصهم من أخيهم سيكونون من بعده قوماً صالحين؟ (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) (من 100 يوسف). إن هذا السجود لم يكن فعلاً من أفعال العبادة كما قد يتوهم البعض. فهذا السجود كان إقراراً من أخوة سيدنا يوسف عليه السلام بأنهم أذنبوا في حقه وأنهم مُقرُّون بهذا الذنب، راجون عفوه وصفحه. فهذا لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه سجود لغير الله تعالى لأنه ليس كذلك مادامت النية من ورائه خالصةً ومبرَّأةً من كل ما هو ذو صلةٍ بالسجود التعبُّدي.
ولنا في سجود الملائكة عليهم السلام لسيدنا آدم عليه السلام مثال آخر على هذا السجود غير التعبُّدي، مادام الأمر بالسجود لآدم صدر عن الله تعالى، ومادام القصد من ورائه لم يكن إلا ليُصار إلى إقامة الحجة الإلهية على إبليس لعنه الله بأنه غير مؤهَّل لأن يبقى مع الملائكة عليهم السلام في جنة العرش: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ(11)قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(12)قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين) (11-13 الأعراف).
إذاً فليس كل سجود لغير الله تعالى هو من الشِّرك والكفر مادام ليس في النيَّة التعبُّد للمسجود له، ومادام هذا السجود كان بأمر الله لغايةٍ هو تعالى أعلم بها.
