“وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ان ربي لطيف لما يشاءيتنطَّع كثير من المفسرين فيما يذهبون إليه من تفسير لبعض آي القرآن العظيم توهماً منهم أن ذلك مما يوجبه ما يظنون أنه ما ينبغي أن تكون عليه “الأمور” حتى تستقيم “التصورات” وتجيء سليمةً “التداعيات”! فكما تعلم فإنهم المدافعون الغيورون الأشاوس عن حومة هذا الدين، وهم الأدرى بما ينبغي أن تكون عليه “الأمور” حتى لا يُزلزَل إيمان “العامة” فتجنح بهم أنفسهم وتحيد عن جادة الصواب التي قُيِّض لهؤلاء المفسرين أن يحدِّدوا ملامحها التي غابت عن إدراك هؤلاء العامة بينما أشرقت عليهم! ومن ذلك ما ذهبت إليه جمهرة غفيرة من المفسرين وهم يحاولون أن يتدبروا الآية الكريمة (“وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ”) من سورة يوسف. فأن تهِمَّ إمرأة العزيز بفتاها أمرٌ لا غبار عليه، ولكن أن يهِمَّ سيدنا يوسف عليه السلام بها “كما همَّت هي به” فهذا مما لا يمكن أن يكون!

ولكن للقرآن العظيم قولاً آخر في هذا يخالف عما أجمعت عليه جمهرة المفسرين هؤلاء. فسيدنا يوسف عليه السلام كاد أن يقع في السوء والفحشاء لولا أن الله سلَّم. إذاً فقد همَّ سيدنا يوسف عليه السلام بامرأة العزيز ولكن الله تدخل تدخلاً مباشراً فحال تدخُّله الإلهي هذا دون أن “يقع المحظور”. وهذا ما بيَّنه قرآن الله العظيم واضحاً جلياً في الآية الكريمة (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين) (من 24 يوسف).

إذاً فكيف كان هذا التدخل الإلهي الذي حال دون أن يمضي سيدنا يوسف عليه السلام قُدُماً فيما كان قد همَّ به؟ ينبؤنا قرآن الله العظيم بأن الله تعالى تدخَّل فجعل سيدنا يوسف عليه السلام يُبصر سيده وسيدها وهو يهم بالاقتراب من باب الغرفة الذي كانت قد غلَّقته، فما كان منه عليه السلام إلا أن تدارك الأمر فأحجم عن أن يُمضي إرادته فكفَّ همَّته وارعوى. إذاً فلولا أن سيدنا يوسف عليه السلام رأى برهان ربه لكان قد صدر عنه ما لم يكن يجدر أن يصدر عنه مادام هو من عباد الله المُخلَصين. وبرهان الرب هذا لا علاقة له بما يتنطَّع به البعض. فهذا البرهان هو لا أكثر مما أراه الله تعالى سيدنا يوسف عليه السلام عبر الأبواب المُغلَّقة فأبصر ربَّه الذي أحسن مثواه يهم بالاقتراب منهما. وهذه خارقة من خوارق عادات الأنبياء عليهم السلام التي لا تني تلاحقهم في حلِّهم وترحالهم ماداموا هم عباد الله الذين أخلصوا دينهم لله فكانوا المحسنين المخلَصين، وكان الله تعالى عند حُسن ظنِّهم به مُنجياً لهم من كل سوء.

إذاً لنتدبر ما وثَّقته آيات القرآن العظيم من أمر ما حدث لسيدنا يوسف عليه السلام من بعد ما تقدَّم من تفسير ليس فيه من التنطُّع ما يصر عليه كثيرٌ من المفسرين (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين) (23-24 يوسف).

أضف تعليق