بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
مما يمكن أن يُعتبَر قاسماً مشتركاً بين كثير من أفراد الجماعة الإنسانية، هو هذا الذي يجعلهم ينظرون إلى الحيوان نظرةً دونيَّة تتجلى في تحقيره والإشارة إليه على أنه مخلوق لا سبيل لمقارنته ومضاهاته بالإنسان العظيم! ومن مظاهر تحقير الإنسان للحيوان، أنه إذا ما أراد أن يسُب أخاه الإنسان، فإنه يصفه بأنه “حيوان”! ويستوي في هذا الأعراب والأعاجم، كما بوسعك أن تستيقن من الأمر بمراجعةٍ بسيطة لما تنطوي عليه لغات بني آدم من عبارات السَّب والقذف التي فيها من الانتقاص من الحيوان ما فيها. ولعل هذه النظرة المحتقِرة للحيوان أن تكون السبب من وراء تقزُّز الكثيرين من فكرة التطور التي تقضي بأن الإنسان والحيوان أصلهما واحد؛ إذ كيف يُعقل أن يكون هذا “الإنسان العظيم” يجمعه مع “الحيوان الوضيع” أصلٌ مشترك؟!
ولقد ذكرتُ في كثير من كتبي، كما وتحدثت في عدد غير قليل من منشوراتي، عن تمايز الإنسان والحيوان، وبما يكشف النقاب عن حقيقة كون الحيوان أفضل من الإنسان وذلك على قدر تعلُّق الأمر بالانتماء للطبيعة إطاعةً لقوانينها الإلهية وعدم حيود عن ضوابطها الربانية. فالحيوان “مخلوق طبيعي” خلقَه الله في أحسن تقويم وأبقاه على خلقته هذه. أما الإنسان، فلقد رُدَّ “أسفل سافلين” من بعد خِلقة “أحسن تقويم” إلا قلة قليلة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ولذلك فليس هناك من سنَد شرعي يؤيد ما يذهب إليه الإنسان في تباهيه وتبجُّحه بأنه أفضل من الحيوان، وبما يجعل منه على حق إذ هو يسب أخاه الإنسان واصفاً إياه بـ “الحيوان”!
إن دين الله صنْعتُهُ تعالى، ولذلك فإنك لست بواجدٍ فيه ما يشي بأنه جاء من عند غير الله تعالى. ومن بين ما بوسعك أن تقع عليه في هذا الدين، مما لا يمكن أن يكون من صنع البشر، هو هذا الإجلال والتبجيل للحيوان. فالإنسان ينتقص من الحيوان ظناً منه وتوهماً أنه أفضل منه. وهذا ما لا يُقرِّه عليه الدين الذي حفل قرآنه العظيم بالعديد من الآيات الكريمة التي تقول خلاف ذلك: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُون) (41 النور)، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون) (49 النحل)، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) (من 18 الحج). إذاً فالحيوان يسجد لله ويسبح له، وذلك على خلاف كثير من الناس ممن حقَّ عليهم العذاب من الذين لا يسجدون ولا يسبّحون. فمَن أفضل مِن مَن إذاً؟
ولقد كرَّم الإسلام الحيوان وذلك بأن كانت رايته، التي أمر بصنعها حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، تسمى بـ “العُقاب”. والعُقاب طائرٌ معروف. والتصوف، الذي هو من الإسلام قلبه وروحه، حافلٌ بما يشهد للإسلام من تعظيم وتفخيم وتبجيل وإجلال للحيوان، وذلك كما يتجلى بيِّناً واضحاً في إشارة المتصوفة إلى أساتذتهم ومشايخهم بدلالة “الباز” و”الأسد”. ومن ذلك إشارتهم إلى حضرة سيدنا الحمزة رضي الله تعالى عنه بأنه “أسد الله وأسد رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم”، وإلى حضرة سيدنا الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني قدّس الله سرّه العزيز بأنه “باز الله” و”أسد بغداد”، وإلى حضرة سيدنا علي كرّم الله تعالى وجهه بأنه “أسد الله الغالب”، وإلى حضرة السيد الشيخ عبد الكريم الكسنزان قدّس الله سرّه العزيز بأنه “أسد كركوك”.
