بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ما كان لهذا الوجود أن يوجد لولا أن الله أوجده من لدنه تعالى. وبعد أن تكفَّل إيجاد الله لهذا الوجود أن يكون موجوداً، فإن بقاءه وديمومته تكفَّل بهما تواجده تعالى فيه. وهذا التواجد الإلهي هو ما تحدث عنه القرآن العظيم، بأن الله تعالى يُمسك السموات والأرض فيحول مسكه هذا دون أن يتلاشى الوجود ويفنى. إلا أن هذا التواجد الإلهي، الضروري ليقوم الوجود فلا يزول، ما كان له أن يتجاوز كثافةً محددة وذلك حتى لا ينهار الوجود دكاً كما حدث بتجلي الله تعالى لجبل سيدنا موسى عليه السلام (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) (من 143 الأعراف).
وبذلك توارى اللهُ تعالى من وراء حجابٍ تكفَّلت أسبابه بأن تحدث وقائع وأحداث هذا الوجود بتلطُّف خفي من لدنه تعالى، فلم يعد بإمكان كثير من الخلق أن “يشعروا” بهذا التواجد الإلهي اللطيف الخفي. وبذلك تمهَّد السبيل أمام مَن علَّل لقوله بأن الله تعالى غير موجود بهذا التلطُّف الخفي الذي شاء تعالى أن لا يكون هو كل حظ هذا الوجود منه تعالى. فلقد تجلى الله تعالى لمن شاء من خلْقه وعرَّف نفسه وكانت بذلك الرسالات الإلهية، وكان رسُل الله وأنبياؤه عليهم السلام.
إن تلطُّف الله تعالى من وراء حجابٍ من الأسباب التي تكفُل لهذا الوجود أن تحدث وقائعه وأحداثه كما لو أن الله تعالى غير موجود، ليُذكِّر بالآية الكريمة 19 من سورة الكهف التي جاء فيها ما أوصى به فتية الكهف بعضهم بعضاً بأن يتلطفوا حتى لا يُشعروا بهم أحداً من أعدائهم (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) (19 الكهف).
وهذا “التلطُّف الإلهي” هو ما وقع عليه سيدنا يوسف عليه السلام وهو يتدبَّر ما كان من أمره مع الله تعالى الذي توارى من وراء حجابٍ من الأسباب التي تكفَّلت بأن تصنع له قدَره الذي انتهى به حاكماً لأقوى امبراطورية في العالم القديم، من بعد أن كان طفلاً يرتع ويلعب في البدو (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم) (100 يوسف).
