بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لم يكن الله ليخلق السموات والأرض ويكون هذا هو كل ما هنالك من علاقة بينه تعالى وبينها. فالله تعالى هو الخالق الذي خلق الخلق، وهو الرزاق الذي يُمِد هذا الخلق بِعلَّة البقاء والديمومة من بعد أن أمدَّه بعِلَّة الوجود والكينونة. ولقد ورد في آية الكرسي ما يُفصِّل هذه الحقيقة، وذلك في العبارة القرآنية الكريمة (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) (من 255 البقرة). فالوجود لن يقوى على أن يكون موجوداً لولا أن هناك مَن يحفظه فيحول دون أن يتلاشى ويفنى. ولقد تحدثتُ في منشورات عدة عن هذا الذي يجعل بمقدور الوجود أن يكون موجوداً، وذلك بسببٍ من التدخُّل الإلهي المباشر المتجلِّي بمسك الله تعالى السموات والأرض حتى لا تزولا وتتلاشيا وتفنيا. ولله تدخلات مباشرة أخرى منها حفظه تعالى السماء حتى لا تكون مرتعاً لقاسطي الجن من الشياطين الذين ورد في قرآن الله العظيم ما يفيد أن الله تعالى قد حفظها منهم: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) (16-17 الحجر)، (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ. وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِد) (6-7 الصافات)، (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (12 فصلت).
كما يعلِّمنا هذا القرآن أن حفظ الله تعالى له أن يتجلى وفق ما تقتضيه الأحداث فيتحقق هذا الحفظ بتدخُّلٍ إلهي مباشر هو العلة التي تجعل منه متحققاً في كل صقع من أصقاع هذا الكون. ومن ذلك حفظ الله تعالى الذي تجلَّى في تمكين جن وشياطين سيدنا سليمان عليه السلام من الغوص في أعماق البحار والمحيطات، وذلك ليأتوا له بما حوته من كنوز وليبنوا له عمائر ما كان لبشر آنذاك أن يتمكن من بنائها تحت الماء (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِين) (82 الأنبياء).
ومن تجليات حفظ الله تعالى، المتحقق بتدخل إلهي مباشر من لدنه، حفظه تعالى قرآنه العظيم، وذلك حتى لا تنجح محاولات من يريد أن يؤول الأمر بهذا القرآن إلى ما آل إليه أمر كثير من الكتب الإلهية التي سبقته (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) (9 الحجر).
ومن تجليات هذا الحفظ الإلهي المتحقق بتدخُّل إلهي مباشر، عصمة الله تعالى رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم من أن ينال منه الاعداء (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (من 67 المائدة).
ولقد أجمل سيدنا يعقوب عليه السلام ما بمقدور الله تعالى أن يتجلى به من حفظٍ محيطٍ محوِّط وذلك بدعائه الله تعالى أن يحفظ بَنِيه، كما وثَّقته الآية الكريمة (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (من 64 يوسف).
