بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
هل كان بمقدور الإنسان أن يعرف بعقله أن هناك كائناتٍ في هذا الوجود، تشاركه سُكنى كوكبه هذا، تنظر إليه فتراه وهو لا يراها؟ لقد تمكَّن الإنسان من الوقوع على عددٍ هائلٍ من الكائنات التي تعجز عيناه عن رؤيتها، وذلك مستعيناً بالمايكروسكوب (المجهر). إلا أن هذا المجهر ليس بقادر على أن يُري الإنسان ما وُوري عنه من “كائنات عاقلة” تشاركه العيش على أرض هذا الكوكب. ومن هذه الكائنات، التي ما كان للإنسان أن يعرف أنها متواجدة معه، الجن والشياطين والملائكة. ولقد جاء الدين بذكر هذه الكائنات العاقلة المتوارية عن الأنظار، فكان للإنسان أن يعلم بتواجدها معه وعلى مقربةٍ منه.
والدين علَّم الإنسان ما لم يكن له أن يعلمه، إذ كشف له النقاب عن هذه الكائنات التي منها مَن هو شرير ومنها مَن هو خيِّر. كما وعلَّم هذا الدين الإنسان وأبان له السبيل ليكون بمقدوره أن ينتفع بخيِّرها ويتحصَّن من شريرها. فالإنسان لم يكن له أن يتوصل إلى أن هناك مَن يراه هو وقبيلُه من حيث لا يراهم (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (27 الأعراف).
ولقد علَّم القرآن العظيم الإنسان مُبيِّناً له سبيل النجاة من الشيطان، وذلك بأن يتخذه عدواً وأن لا يتَّبع خطواته، وأن لا يكون من حزبه وأوليائه. وهذا كله ليس بوسع الإنسان أن يُحقِّقه ما لم يسِر على طريق الله منضبطاً بضوابطه الإلهية تعبُّداً له تعالى خالصاً من كل رياء ونفاق.
إننا لن نقدر هذا الدين حق قدره إلا إذا ما شرعنا بتدبُّر ما عند الآخرين من “علم” يخص هذه الكائنات العاقلة غير المرئية. فواقع الحال يُنبئ بما هم عليه من تخبُّط وضياع في متاهات الظن والوهم والعجز عن تبيُّن الحق، مادام كل ما عندهم هو من الأباطيل والأراجيف التي يكفي هذا التدبُّر لأن يكشف عن المدى الذي بلغته جهالتهم إذ قيَّضت لهم أن يُنزِلوا هذه الكائنات منزلةً بعيدةً كل البُعد عن الحقيقة، فكان أن عادَ عليهم هذا الجهل بما تجلى في عجزهم عن فقه ما يحدث بسببٍ من “تأثير” هذه الكائنات، وفي عدم تمكُّنهم من التحصُّن منها أو التخلُّص من حضورها.
إن الإنسان قادر على أن يُبرهن على عجزه المطلق إزاء كل ما هو ذو صلة بهذه الكائنات العاقلة غير المرئية، سواء كان ذلك بعدم مقدرته على اكتشاف حقيقة تواجدها معه، أو بتفسيره الخاطئ لما تتسبَّب به من وقائع وأحداث، أو بعدم قدرته على الإفلات من شرِّها إذا ما شاء له حظه العاثر أن يتجاوز “الحدود” التي لم يكن بوسعه أن يعرف بوجودها!
