استيئاس الرُّسُل ظناً أنهم قد كُذبوا

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

214 البقرةيبالغ المُغالون في تصوُّر ما كان عليه أنبياء الله وتعالى ورسله من حال، فيظنون بهم غير الحق ظن مَن لم يدخل الإيمان قلبه فيتصورون أن واحدهم كان إنساناً مثالياً على مدار الساعة، فلا تُخالجه أحاسيس ومشاعر كتلك التي لا تنفك تتناوشنا نحن الغالبية العظمى من معشر بني آدم! وهذا ما لم يرد بشأنه نَص قاطع في قرآن الله العظيم، بل إن ما جاء في هذا القرآن يُفنِّد مزاعم هؤلاء. فالرسل كانوا بشراً قبل كل شيء. ولذلك تراهم يُعانون من التناقض الذي يُوجبه ما تريد منهم النفس أن يكونوا عليه وما يريدونهم أن تكون هي عليه. والأمر جذبٌ وشَد بين هذا وذاك حتى يقضي اللهُ أمراً كان مفعولاً.

إلا أن ما يتمايز به رسل الله وأنبياؤه الكرام عليهم السلام عن الغالبية العظمى من أفراد الجماعة الإنسانية إلا ما رحم الله، هو هذا الذي يُصرُّون عليه من الإعراض عما تدعوهم إليه النفس من تكذيب وتشكيك فيما جاءهم من ربهم عز وجل. فمهما اشتدت الخطوب وادلهمَّت، فإن واحدهم لن يسمع لما تدعوه إليه نفسه حتى وهو يبلغ مبلغ الاستيئاس فيظن أنه قد كُذِب عليه وأن ما وعد الله تعالى لن يجيء يوماً أبداً. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه جلياً في الآية الكريمة 110 من سورة يوسف عليه السلام (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

وهنا أمرٌ تجدُر ملاحظتُه بعيداً عن المغالاة في التنطُّع والغلو في التعسُّف ظناً وتوهماً أن في هذا وذاك ما يوجبه ما نتصوَّر أن هذا هو ما ينبغي أن يكون عليه حال الأنبياء والرسل مع الله تعالى. وهذا الأمر هو أن المبلغ الذي يصله الرسل استيئاساً من نصر الله تعالى لهم يجعلهم يظنون أن الله تعالى قد كذب عليهم، وأن لا نصر إلهياً هناك قادماً إليهم البته. وقد يظن البعض أن في هذا الذي أقول به تجاوزاً على مقام أنبياء الله ورسله الكرام عليهم السلام، ظناً منه أنهم قد خُلقوا من طينةٍ غير طينة سيدنا آدم عليه السلام! ولهؤلاء أتوجه بالآية الكريمة 214 من سورة البقرة (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).

أضف تعليق