نفسُك التي أتعبت الأنبياء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

وما أبرئ نفسي

كلنا نفسٌ. وهذه حقيقة لا ينبغي أن يُشكك فيها مَن خبِر الحياة الدنيا وأهلها. وهذه الحقيقة قاعدةٌ استثناؤها الوحيد هو سيدنا المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، الذي خُلق إنساناً كاملاً في أحسن تقويم دون أن تُخالِط طينته نفسٌ، ودون أن يكون مضطراً إلى أن يُعاني من هواها. وهذا كلامٌ لابد وأن يكون جارحاً لمن يُصِر على أن يُغالي في النظر إلى أنبياء الله ورسله الكرام عليهم السلام فيراهم على غير ما كانوا عليه حقاً وحقيقة: بشر يُعانون من ذات النفس التي يُعاني منها كل من وُلِد من ذرية سيدنا آدم عليه السلام لأبوين آدميين.

ولقد حفل قرآن الله العظيم بأمثلةٍ كثيرة على ما كان عليه أنبياء الله ورسله الكرام عليهم السلام وهم يجاهدون هذه النفس التي امتُحِن بها بنو آدم، فمنهم من غلبته واستعبدته، ومنهم من غلبها فحرَّرها وأعتقها. وأنبياء الله تعالى ورسله الكرام عليهم السلام كانوا من أولئك الذين تصدى واحدهم لنفسه مجاهدةً لها ومحاربةً لهواها حتى أجهدها وأرهقها تعباً ولغوباً فاستسلمت لإرادته، من بعد استيئاسها من إرادتها، وكان لها أن تتحرر من عبوديتها لغير الله تعالى فأصبحت حرةً عابدةً لله تعالى. وهذا الأمر ليس باليسير مادام الطريق إليه يتطلب من الواحد منا أن يكون ذا همةٍ عاليةٍ شأوها شأو مَن كانت همَّته معلَّقةً بالثريا.

لنتدبر بعضاً من آيات الله تعالى التي وثَّقت لهذا الذي كان يعاني منه رسل الله وأنبياؤه عليهم السلام وهُم يجاهدون النفسَ التي ابتُلوا بها مادام واحدُهم قد خُلق إنساناً بشراً من ذرية سيدنا آدم عليه السلام: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُون. قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيم. قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَي) (51-54 الحجر). تدبَّر هذه الآيات الكريمة جيداً وتذكَّر ما كان عليه سيدنا إبراهيم عليه السلام من حالٍ مع الله تعالى، وكيف أنه، وقد بُشِّر بما كان يدعو اللهَ تعالى، أجاب إجابة اليائس المستيئس من رحمة الله تعالى! إلا أن ما يميِّز أنبياء الله ورسُله الكرام عليهم السلام أنهم ما أن يُذكَّروا بما ينبغي أن يكون عليه العبدُ في حاله مع ربه عز وجل، حتى يرعوي منهم مَن كان قد جنحت به نفسُه ومالت عن جادة الحق (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ. قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (55-56 الحجر). إذاً فما أن ذُكِّر سيدنا ابراهيم عليه السلام بالحق حتى انجذب إليه وانصرف عن السماع للنفس فيه.

وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه أيضاً في حال نبي آخر مع الله تعالى هو سيدنا لوط عليه السلام (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيب) (77 هود). فملائكة الله الكرام عليهم السلام كانوا قد جاؤوا سيدنا لوطاً عليه السلام بالنصر الإلهي على قومه المفسدين، فما كان منه إلا أن قابلهم بوجهٍ عبوس ونفسٍ متذمرة!

وإذا كان هذا هو حال أنبياء الله ورسله الكرام عليهم السلام، وهم بشرٌ مُبتَلون بذات النفس التي ابتُلينا كلُّنا بها، فإن قرآن الله تعالى قد بيَّن لنا ما كان من أمر السيدة مريم عليها السلام مع الله تعالى من بعد أن أجاءها المخاض إلى جذع النخلة (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (23 مريم). وهذه هي السيدة مريم ذاتها التي استفاضت آيات قرآنية كريمة كثيرة في ذكر ما كانت عليه من تعبُّد وقنوت لله تعالى.

إذاً فلا موجب هناك للمبالغة في تصوُّر ما كان عليه الأنبياء والصالحون من حال مع الله تعالى، مادام واحدهم كان مُبتلىً بذات النفس التي ابتُليتَ أنت بها. إلا أن ما ينبغي عليك ألا تنساه هو أنك وفي الوقت الذي تؤثر أن تستسلم لإرادة نفسك، فإن واحدهم كان يؤثر ألا يسمع لها مادامت هذه النفس تريد منه أن يكون لها لا لله. إن ما يُميّز الأنبياء والصالحين عنا عامة البشر، ليس ما نظن ونتوهم من أن واحدهم لم تكن له نفس ابتُلي بها كما ابتُلينا، ولكن الذي جعلهم متميزين مُميَّزين هو هذا الذي كانوا عليه من إرادة حديدية وهم يُصرون على أن لا يصغوا إلى نفوسهم ويسمعوا لها مهما علا ضجيجها واشتد صراخها!

أضف تعليق