بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يريدنا علماء العصر أن نلزم تعريفهم للحياة فلا نخالف عنه. فالحي هو ما يُقرُّون له بأنه ذو حياة، وكل ما ليس بخاضع لتعريفهم للحياة فهو ميت بالضرورة. وبذلك يكون التعريف البايولوجي للحياة هو ما يجعل الأشياء حية أو ميتة، وذلك على قدر توافقها وتعارضها معه. إن هذه “النظرة البايولوجية” للحياة قد حدَّدتها وضيَّقت آفاق تجلِّيها حتى أصبحت مقصورةً على تجلياتها البايولوجية فلا تتعداها إلى ما لا قدرةَ له على أن يكون بايولوجي الحياة. وبذلك حتَّمت هذه النظرة المجتزِئة وجوب الإعراض عن طيف واسع من تجليات الحياة التي لا تشغل البايولوجيا منه إلا جزءاً صغيراً. ولقد جاءنا الدين بخلاف ما يريدنا العلماء أن نظنه ونتوهمه بخصوص تعريف الحياة. فالحياة، وفق ما يُعلِّمنا الدين، بوسعها أن تتجلى بأوسع مما حدده العلماء فيكون بذلك حياً ما يُصرُّ العلماء على أنه ليس كذلك. وهذا ما يتوجب علينا أن نتبيَّنه بشأن ما يتمايز به الدين عن “العلم”، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بنظرة كل منهما إلى الحياة وما يجعل الشيء متميزاً بها. فالدين يقول بحياة مَن ليست فيه أية سمات بايولوجية. وهذا ما بوسعنا أن نقع عليه بتذكرنا ما يقول به الدين من وجود كينونات وكيانات وكائنات يجمع بينها هذا الذي يُخالف التعريف البايولوجي للحياة. فالله تعالى، وفق ما يقول به الدين، حي. واللهُ تعالى لا يمكن أن يكون حياً مادام هو ليس كياناً بايولوجياً، وذلك وفق ما يقضي به العلم. والملائكة والجن كائنات ذات حياة، كما يُعلِّمنا الدين، بينما لا يشاطر العلمُ الدينَ نظرته هذه مادامت هذه الكائنات تفتقر إلى الكينونة البايولوجية.
إن إصرار العلماء على النظر إلى الحياة بعينٍ لا ترى منها إلا تجلياتها البايولوجية، قد حتَّم عليهم أن يُعرِضوا عن كل مَن هو حي، وكل ما هو حي، مادامت حياته لا تخضع لتعريفهم البايولوجي للحياة. وبذلك أصبح “العلم” أسير هذه النظرة الحسيرة إلى الحياة، وكان لزاماً عليه بالتالي أن يحكم بموت كل ما هو ليس ببايولوجي. وهذا هو السبب الذي يجعل “العلم” لا يوافق الدين فيما يذهب إليه من أن هناك إلهاً حياً وملائكةً وجِناً. فالحياة إما أن تتجلى، كما خبرها وعرفها العلماء، بايولوجيةً، وإلا فلا حياة!
إن هذا الذي جار به العلماء على “العلم” يجعل من المستحيل أن يكون هناك أي أمل في التوفيق بين هذا العلم المظلوم وبين الدين، مادام كلٌّ يعرِّف الحياة وفق ما تقضي به آيديولوجيته. ولعل في هذا أن يكون ما يجعل من أولئك الذين يصرُّون على أن الدين و”العلم” وجهان لحقيقة واحدة يكفُّون عن مسعاهم من بعد أن يدركوا استحالة التوفيق بين نظرة كل منهما إلى الحياة. إن الدين يريدنا أن نؤمن بأن هناك حياةً غير بايولوجية هي أكثر انتشاراً من الحياة البايولوجية التي يريدنا “العلم” ألا نصدِّق أن هناك حياة أخرى غيرها.
