هل يريد بعض العلماء أن يكون العلم دين آخر الزمان؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لا إله إلا الله يعترض كثير من علماء هذا الزمان على الدين بحجة أنه “بنيان ميتافيزيقي” لا دليل واقعياً على صحة ما يزعم به من أمور تُجافي الواقع وتفتقر إلى ما بوسعه أن يكون البرهان التجريبي-الاختباري عليها. ولعل أكثر ما يهاجمه هؤلاء هو ما يقتضيه الدين من وجوب الإيمان بالله تعالى خالقاً بارئاً للوجود بكل ما فيه. فهذا الوجود، وفق ما يتوهم هؤلاء، لا يحتاج إلى الله تعالى كيما يتسنى له أن يوجد ويكون. كما أن وقائع وأحداث وظواهر هذا الوجود ليست بحاجة إلى الله تعالى ليتكفَّل بتوفير العلة والأسباب التي تكفل لها أن تحدث. فالعلم الذي بين أيدي هؤلاء العلماء كافٍ، من وجهة نظرهم، للتعليل لنشأة هذا الكون ولتفسير ما يحدث فيه دون حاجةٍ إلى افتراض ضرورة وجود “كيان ميتافيزيقي”. وهنا تكمن مفارقتان يُعاب على هؤلاء العلماء أنها فاتتهم فلم يُعيروا لها من “الانتباه العلمي” ما كان ليتكفل ويحول دون أن يجافوا “روح العلم” فيقعوا في هذا الذي جعل منهم يناصبون الله تعالى العداء بزعمهم أنه “افتراض لا مسوِّغ له”!

المفارقة الأولى هي أن الوجود، الذي توهَّموا أنهم قد وقعوا على كل ما فيه من أحداث وظواهر، هو ليس “الوجود الحقيقي”! فالوجود العلمي هو “وجود واقعي” تكفلت وقائعه وأحداثه بتوفير ما جعل من هؤلاء العلماء قادرين على صياغة “العلم” الذي ظنوا أن بوسعه أن يعلِّل لها دون حاجةٍ لاستقدام “فرضية الإله”. إلا أن هذا الوجود الواقعي هو بحكم التعريف لا يمكن أن يكون “كل ما هناك من وجود”. فهناك من الظواهر ما يعجز هذا الواقع عن أن يقدِّمها لهؤلاء العلماء بـ “التكرار الضروري” ليتسنى لهم أن يُدخلوها ضمن منظومتهم المعرفية التي صاغوا بها “العلم الذي بين أيدينا”. وهذه الظواهر هي المعجزات والكرامات وخوارق العادات. وهي ظواهر تتميَّز بنَدرتها وبكون سياق حدوثها يتطلب ما لا تتطلبه ظواهر الواقع المألوف. وهي ظواهر، إن تسنى لهؤلاء العلماء أن يدرسوها، ستتكفل بتقديم الدليل القاطع والبرهان الحاسم على وجوب القول بوجود الله تعالى.

وتكمن المفارقة الثانية في أن “الميتافيزيقا” التي يعيبها هؤلاء العلماء على الدين، والتي اتخذوا منها تعِلَّةً يُبررون بوساطةٍ منها لرفضهم كل ما يقول به هذا الدين، هي ميتافيزيقا لا قدرة لهم على أن يُقيموا “البنيان المعرفي” لـ “العلم الذي بين أيديهم” دون الاستعانة بها! فالعلم الذي بين أيدينا لا قيام له دون “افتراضات” ودون بُنيان نظري يُضطر هؤلاء العلماء إلى إقحامهما في صلب المعطيات التجريبية-الاختبارية التي يقدّمها “الواقع العلمي”، وذلك ليتسنى لهذا العلم أن يستوعب هذا الواقع بالتفسير لأحداثه والتعليل لها! وهذا الذي يضطر هؤلاء العلماء إلى استقدامه وإقحامه في صُلب المعطيات التجريبية-الاختبارية يجعل من العلم الذي بين أيديهم ميتافيزيقا لا تختلف إطلاقاً عن “ميتافيزيقا الدين”! إذاً فليس هناك من موجب لإعراضنا عن ميتافيزيقا الدين كما ليس هناك من ضرورة توجب علينا القبول بميتافيزيقا العلم.

وإذا كان “العلم” لا يوافق الدين فيما يذهب إليه من وجوب الإقرار بوجود الله تعالى، فإنه يريدنا أن نؤمن بإلهٍ آخر هو العقل الذي مكَّن لهم من صياغة ميتافيزيقا العلم هذه! وبذلك يقودنا هؤلاء العلماء إلى “دين جديد” إلهه هو هذا العقل الإنساني المفاخِر بقدراته والمُغتَر بها، ومعجزاته هي هذه الإنجازات التي تسنَّى لهذا العقل إبداعها واختراعها، وأنبياؤه ورسله هم هؤلاء العلماء الذين خُيِّل إليهم، وهماً وظناً، أنهم “المخلِّصون الجدد” الذين قُيِّض للإنسانية أن تحظى بهم رواداً جاؤوها بدين آخر الزمان!

أضف تعليق