بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قد يظن البعض أنني أبالغ في انتقاد العلماء، وأنني مُغالٍ في انتقاصي من “العلم” الذي جاءنا به هؤلاء العلماء! ولذلك أرى أنني مطالَب بتوضيح موقفي من العلم. فالعلم عندي علمان: علمٌ حقيقي لا مناصَ من انتهاج سبيله ولا محيص عن الحرص على الانتفاع بما بوسعه أن يجيئنا به من جديد، وآخر “زائف” يُخيَّل للناظر إليه أنه يرى شاطئ الحقيقة وهو ما رأى في واقع الأمر إلا سراباً لا حقيقة له! والعلم الحقيقي هو الذي مكَّن للإنسان من تسيُّد واقعه براً وجواً وبحراً وما تسنى له الوصول إليه من الفضاء الخارجي. وهذا العلم حقيقي مادام الواقع يشهد له بأنه قائمٌ دونما حاجةٍ إلى استقدام كينوناتٍ غير واقعية. وهو بذلك يتناشز مع العلم النظري الذي لا قيام له إلا بهذه الكينونات. فالعلم النظري بُنيان خيالي لَبِناتُه قُدَّت من غير طين هذا الواقع، فكان حقيقاً عليها أن تجيء متمايزةً عنه، وذلك لانتمائها إلى ما يزخر به خيالُ عقل الإنسان من عوالم غير حقيقية بوسعه على الدوام إبداع ما يشاء منها مادام في ذلك ما يُمكِّن له من تفسير ظواهر الوجود وأحداثه. إن عقل الإنسان عاجزٌ عن أن يتقبَّل الواقع هكذا ومن دون أن يضيف إليه شيئاً من عندياته. فـ “الواقع المجرَّد” عصِي على المضغ، ناهيك عن أن يكون بمقدور العقل أن يستسيغه أو أن يبتلعه أو أن يتمثَّله فيهضمه من دون هذه “الإضافات النظرية” التي يُسبِغها هذا العقل على وقائع الواقع ليتسنى له من ثم أن يُعلِّل لها فيزول بذلك ما كانت تُمثِّله له من تحدٍّ معرفي يجعله يخشاها ويتوجَّس منها ريباً. وبذلك يكون “العلم” الناشئ عن هكذا مقاربة للواقع لا يمتُّ إلى الحقيقة بِصِلة مادام هذا “العلم” فيه مما لا ينتمي إلى هذا الواقع الكثير مما أسبغه عليه فلوَّثه عقلُ الإنسان العاجز، خِلقةً وجِبلة، عن النظر إلى الوقائع ليراها على ما هي عليه دون أن يُخالِط نظرته إليها شوائبٌ يُحتِّمها وَلَعه وهوَسه بالتنظير والتفسير والتعليل! وهكذا يكون هذا “العلم” زائفاً يُخيَّل إلى مَن ينشغل به أنه حقيقي وما هو كذلك. وهذا “العلم” هو الذي لا أنفك أُهاجمه وأنتقده منتقصاً من العلماء الذين يريدون منا أن نشاركهم ظنهم الواهم بأنه علم الحقيقة وأنه الحق الذي لا مراء فيه.
أما العلم الحقيقي، فهو عندي حقٌّ لا أشك فيه البته مادام هذا العلم يقوم على الملاحظة والتجريب والاختبار ويقتصر على مُعطيات الواقع دون أن يُنقص منها أو يُضيف إليها شيئاً. وهذا العلم هو الذي أنصح بوجوب انتهاج منهجه العملي الواقعي دون حيود أو انحراف عما يقضي به من لزوم الظواهر والتجارب التزاماً بحدودها حتى لا تُداخِلها وتلوِّثها شوائب التنظير والتعليل والتفسير.
إن العلم الحقيقي بوسعه أن يأخذ بيدك إلى بر الحقيقة مادام كل ما فيه حقيقي، أما العلم الزائف فليس بوسعه إلا أن يأخذ بك بعيداً عن الحقيقة مادام ما فيه من الباطل ما يُعين نفسك عليك فينتهي بك الأمر إلى مزيدٍ من الولوغ في متاهات النأي عن الحق والحقيقة.
