الله يريد ونفسك تريد.. وأنت ماذا تريد؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

d8a7d984d984d987-d98ad8b1d98ad8af.jpgيبالغ الإنسان في توهُّمه أنه ذو إرادة مستقلة يتميز بها عن غيره من باقي أفراد الجماعة الإنسانية! فكلنا يظن أنه متمايز عن الآخرين بهذه الإرادة التي يخالها واحدنا إرادته التي تنبع من صميم كينونته! وهذا وهمٌ من جملة الأوهام التي أحكمت بوساطةٍ منها النفسُ سيطرتها علينا فجعلت منا أسرى هذه الأوهام التي تملَّكتنا حتى ما عادَ بمقدورنا أن نعيش الدنيا إلا ونحن نخوض في دياجير متاهاتها. فهل نحن حقاً ذوو إرادة مستقلة يتميز بها واحدنا؟ وإذا كان الواحدُ منا ذا إرادة مستقلة تميِّزه عن غيره، فما الذي تجعله إرادته هذه يريد، وذلك بالمقارنة مع ما يريده الآخرون؟

إن الإجابة المنشودة يتكفل بها تدبُّر واقع حال الغالبية العظمى من بني آدم على مر التاريخ. فالإنسان هو ذاته الإنسان في كل زمانٍ ومكان. وكلنا نريد الشيء ذاته، ويظن واحدنا في الوقت ذاته أن هذا الذي يريد يُميِّزه عن الآخرين، وهو لا يريد أن يصدِّق أن الآخرين كلهم جميعاً لا يريد واحدهم إلا عين ما هو يريد! وهذه الحقيقة هي الدليل الذي بوسعك أن تبرهن به على أن الناس وإن تفرَّقوا أعراقاً وأجناساً وأدياناً ومذاهب شتى، فإن ما يوحِّدهم هو هذه النفس التي جُبِل عليها كل واحدٍ منهم، والتي تجعل الواحد منا، نحن بنو آدم، نريد من دنيانا الشيء ذاته. وبذلك ينهار وهم “الخصوصية” و”الاستقلالية” بانهيار هذا التميُّز الذي نظن أن إرادتنا تنفرد به دون غيرنا! إن تدبُّرك ما أنت عليه، وما الآخرون عليه، كفيلٌ بجعلك تستيقن أن ما يوحّد بينك وبين الآخرين لابد وأن يكون مردُّه هو ما أنتم جميعاً عليه من إنصياع واستسلام وإذعان لهذه النفس التي تعددت بانتشارها فيكم وإن كانت هي في الحقيقة واحدةً مادام ما تريده واحداً. وهذا ما بوسعنا أن نقع عليه في القرآن العظيم بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُون) (118 البقرة)، (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (52-53 الذاريات).

إذاً فكلنا بشرٌ تشابهت قلوبهم فأضحى الواحد منا يريد عين ما يريد الآخر، حتى لكأننا تواصينا بهذا الذي نريد فأوصى به الآباء أبناءهم الذين ما كان لهم أن يُخالفوا عن هذه الوصية فجاءت إرادتهم متماهيةً ومتطابقةً مع إرادة ذويهم، وبذلك كنا خير خلف لأسوأ سلَف! إذاً فليس لأحد منا أن يفاخر بأنه ذو إرادة حرة مستقلة مادامت هذه الإرادة لا تختلف في جوهرها عن إرادة غيره من الغالبية العظمى من بني  آدم على مر العصور في كل زمانٍ ومكان! فنحن كلنا جميعاً، إلا ما رحم ربي، لا نريد إلا هذه الحياة الدنيا التي إن اختلفت وتنوَّعت تجلياتها فإنها تبقى الحياة التي أجمعنا على أن نبيع آخرتنا لنشتريها بها! وهذا هو ما تريدك نفسك أن تريده فتخسر بذلك دنياك وآخرتك.

وإذا كان هذا هو ما تريده نفسك منك، فما الذي يريده منك الله تعالى؟ بدايةً علينا أن نُعيد صياغة السؤال؛ فالله تعالى لا يريد منك ولا من غيرك شيئاً لأنه خالقُك وخالق كل شيء (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (56-58 الذاريات). واللهُ، إذ لا يريد منك شيئاً، فإنه تعالى يريد لك أن تكون الإنسان الكامل الذي خلقك لتكونه إنساناً في أحسن تقويم، وذلك بأن تريد ما يريده هو لك، فتعبده موقناً تمام الإيقان أنك لن تصير ما خُلقتَ لتصيره إلا بهذه العبادة.

والآن، أما وقد تبيَّن لك ما تُريده منك نفسك وما يريده لك الله تعالى، فما الذي تريده أنت؟

أضف تعليق