بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
الوجود مستقر، وذلك بسببٍ من تواجد الله تعالى فيه. وهذا التواجد ما كان له أن يكون ظاهراً للعيان وإلا لما تسنى لهذا الوجود أن يكون ويوجد. وبذلك كان من المحتَّم أن لا يكون بمقدورنا أن ننظر حوالينا فنرى الله تعالى. فهذا الوجود قائم بالله تعالى المتواجد فيه متوارياً من وراء حجابٍ تتكفل أسبابه بحدوث كل ما يحدث فيه من وقائع وظواهر وأحداث. وبذلك تسقط حجة المُنكرين لوجود الله والمُشككين بوجوده تعالى، وذلك لأن الله تعالى ما كان له أن يكون ظاهراً وبما يكفل للناظر إليه أن يراه مادام هذا الظهور الإلهي كان ليجعل من الوجود يتلاشى ويزول. إلا أن هذا “الاختفاء الإلهي” لم يكن كل حظ هذا الوجود من خالقه عز وجل. فلقد شهد الوجود “تجلياتٍ إلهية” خرق بها اللهُ تعالى حجاب الأسباب التي خلقها ليتوارى من ورائها فيتسنى بذلك للوجود أن يوجد ويكون. وهذه “التجليات الإلهية” تتسبب في إحداث تغييرات عجائبية وغرائبية في نمط سير أحداث هذا الوجود. ومن بين هذه التجليات، المعجزات وخوارق العادات التي يُجريها الله تعالى نصرةً وتكريماً لأنبيائه ورسُله الكرام عليهم السلام. ومن هذه التجليات أيضاً ما يشير إليها القرآن العظيم بأنها ذات صلةٍ بـ “أمر الله”. وهذا الأمر الإلهي هو كناية عن تدخُّل الله تعالى بصورة مباشرة في أحداث هذا الوجود دون وساطةٍ من أسباب عالم الحجاب. وعادةً ما يتسبب هذا الأمر الإلهي في إحداث تغييراتٍ جذرية يصح أن يُقال عنها إنها تُغيِّر وجهة مسار التاريخ. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيل) (40 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (58 هود)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (66 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين) (94 هود)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (74 الحجر).
وأمرُ الله هذا إذ يجيء فإن مجيئه تسبقه علامات تُنبئ به. وفي قصة سيدنا نوح عليه السلام إشارة إلى هذه العلامات الإلهية المُبشِّرة بمجيء أمر الله. فلقد جعل الله تعالى من فوران التنور بالماء علامةً على مجيء الأمر الإلهي القاضي بتدمير قوم سيدنا نوح عليه السلام. وكل أمر إلهي صدرَ بإبادة وتدمير مَن حقَّ عليهم قول الله تعالى سبَّقت له علامات يستدل بها العارفون على قرب مجيء أمر الله تعالى. وهذه العلامات لا يقع عليها إلا مَن سبقت له من الله تعالى الحُسنى، فكان من “أهل العلامات” الذين لن يُخطئ واحدهم “العلامة” ما أن تَعرِض له.
إن أمر الله قادر على أن يجيء وقتما يشاء الله. وهذا الأمر الإلهي إذ يجيء فعلامة مجيئه تسبقه مُبشِّرةً أو منذرة. وزماننا هذا يحفل بعلاماتٍ يظن البعض أنها تُذكِّر بـ “علامات مجيء أمر الله”. فإذا صح ما يظن هؤلاء، فإننا لا ندري كيف سيتجلى أمر الله القادم بعد هذه العلامات. فأمر الله قد يكون أياً من اثنين: إما.. أو….
فلعل أمر الله القادم أن يتجلى رحمةً وبركات تُذكِّر بأمر الله الذي بشَّرت به الملائكة الكرام عليهم السلام سيدنا إبراهيم عليه السلام: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيد) (73 هود).
