الرسالة وخاتَمها

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ما هي رسالة القرآن العظيم؟ وما هي مفرداتها الرئيسة؟

إن الساعة قادمةإن تدبر القرآن العظيم كفيل بجعل المتدبِّر يتبيَّن دونما عناء أن هذا القرآن يدور حول فكرة رئيسة، وأن هذه الفكرة هي أن هذه الحياة الدنيا هي ليست كما يظن ويتوهم الإنسان مادام هنالك آخرة قادمة لا محالة هي ما ينبغي أن يُشَد إليها الرِّحال دون التفات إلى ما في هذه الحياة الدنيا من مُغرِيات قُدِّر لها أن تُشتِّت الانتباه وتُبدِّد الهمة وتوهن العزم وتُضعِف الإرادة. فهذا القرآن يكاد يكون كتاب آخرة لفرط ما فيه من مفرداتٍ ذات صلةٍ بها، ولن يكون بالعسير على متدبِّر هذا القرآن أن يتبيَّن ما حفل به من ذكر لكل ما ينبغي أن يعرفه الإنسان من أمور ذات صلة بهذه الآخرة بعثاً ونشوراً وقيامة وحساباً وجزاء وثواباً. وكل مَن يريدنا أن نتوهَّم هذا القرآن فنظن أن آياته الكريمة ما جاءت إلا لتُقِر ما ينشغل به الإنسان هوَساً وافتتاناً بهذه الحياة الدنيا، فإنما يريد منا أن نتغافل عن حقيقة الرسالة القرآنية التي صاغت هذه الآيات الكريمة مفرداتها وبيَّنتها واضحةً جلية تنطق بالحق الذي يريدنا الله تعالى أن نُديم تذكُّره حتى لا يغيب عنا ما استطعنا ما هو قادمٌ يوماً ما حسابٌ عسيرٌ فإما نارٌ مؤبَّدة وإما نعيمٌ مؤبَّد. وكل ما في هذا القرآن من آيات كريمة لا تُطِل منها الآخرة جهاراً فإن الآخرة تتوارى من وراء كلمات هذه الآيات بأبلغ عبارة. وصدق اللهُ الذي أشارَ قرآنه العظيم إلى حقيقةِ هذه الآخرة وكيف أنها تكادُ شمسها تُشرِق على هذه الدنيا لولا أنه تعالى بالكاد يحول دون ذلك (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) (15-16 طه).

d8aed8a7d8aad985-d8a7d984d986d8a8d98ad98ad986.jpgوأنت لن تتدبَّر هذا القرآن ما لم تتبيَّن أن رسالته الإلهية هي هذه الآخرة التي تريدك النفسُ أن لا تنشغل بها مادام في هذا الانشغال منك ما يشغلك عن هذه النفس التي لا تريد لغيرها أية حصة فيك. فالقرآن العظيم، إذ تُطِلُّ منه الدنيا، فإنه بهذه الإطلالة يريدك أن تتبيَّنها على ما هي عليه حقاً وحقيقة. وهذا القرآن إذ يذكر الدنيا، فإنه لا يريدها أن تكون كل ما ترجو فتنسى أنها ما خُلِقت إلا لتُمتحَن أنت بها، وأنك ما خُلقتَ لها، وأن الأخرة هي ما يتوجَّب عليك أن تنشغل به عنها.

إن علامة وقوعك على رسالة هذا القرآن أن تتبيَّن ما تحفل به هذه الرسالة من مفرداتٍ آخروية حتى والقرآن يتحدث عن هذه الدنيا. وكل مَن يزعم أن هذا القرآن قد جاءنا بمنهاجٍ يُعيننا على أن نحيا هذه الدنيا طولاً وعرضاً دونما انشغالٍ حقيقي بالآخرة، فإنما يقدم الدليل على أنه ما فقه من رسالته القرآنية شيئاً! فهذا القرآن رسالته جلية واضحة، وكل مفردةٍ من مفرداتها الكريمة لا تنطق إلا بحقيقةٍ واحدة هي أن هذه الدنيا هي ليست كما يظن ويتوهم الإنسان، وأن الآخرة هي الحقيقة المتوارية من وراء حجاب الظواهر، وأن العاقل الحصيف هو مَن لم تخدعه المظاهر فتحول دون أن يتبيَّن الحقيقة الكامنة من وراء الوقائع.

sealedإذاً فرسالة القرآن العظيم هي التحذير من الآخرة والإنذار من نارها والدعوة للاستعداد ليومها الآخِر سعياً للفوز بجنةٍ دونها خلودٌ في النار أبد الآبدين. ومعلومٌ أن الرسالة لابد وأن تكون ممهورةً بختمٍ يُصادِق على ما ورد فيها ويشهد لها بأنها قد وردت حقاً من عند مرسِلها. وإذا ما أردنا أن نتبيَّن الخاتم الذي مُهرَت به رسالة هذا القرآن فجعلها صحيحة النسبة إلى الله تعالى، فإن هذا الخاتم هو هذا الذي تتميَّز به هذه الرسالة من انشغالٍ بالآخرة لا تكاد تخلو منه صفحةٌ من صفحات قرآنها العظيم. فلو لم تكن الآخرة هي جوهر رسالة القرآن العظيم، لما كانت آياته الكريمة تدور كلها جميعاً في فلكها تصريحاً وتلميحاً، عبارةً وإشارة، ظاهراً وباطناً.

إذاً فخاتَم رسالة هذا القرآن هو انشغاله بالآخرة التي بوسعك أن تجيء بألف ألف برهان على أن الإنسان إذ ينشغل بها فإنه يُضطَر إلى ذلك اضطراراً، جبراً لا اختياراً، وأن الآخرة لو كانت مما تشتاق إليه النفوس وتطرب لما كانت على هذا القدر من مجافاة ما جُبلت عليه هذه النفوس!

أضف تعليق