هل يستطيع عقل الإنسان وحده أن يكتشف الله؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ويريكم آياته

يظن البعض أن عقل الإنسان قادر على النظر إلى الوجود ورؤية ما يُمكِّنه من التوصل إلى اكتشاف الكثير من الحقائق التي تتوارى مختفيةً تحت ركام ما يعرض للإنسان من ظواهر وأحداث هذا الوجود. وهذا وهم كبير طالما كان العقل محدوداً بهذه الظواهر التي تشكّل الواقع الذي نشأ في ظلِّه هذا العقل. وعقل الإنسان لم ينشأ ويتطور حتى يكون بمقدوره أن يتعامل مع عالم آخر غير واقعه هذا. وعالم الحقيقة مُغيَّب بعيداً عن إدراك حواس الإنسان التي هي كل ما بحوزته من أدوات التعامل المعرفي مع ما بإمكانه أن يقع عليه من وقائع الوجود. ولذلك كان من غير المقدَّر لعقل الإنسان أن يستطيع وحده التوصُّل إلى حقائق هذا الوجود وإن كان بمستطاع هذا العقل أن يتعامل معرفياً مع الكثير من وقائعه الظاهرة للعيان أو التي بإمكان أجهزته أن تُعينه على هذا التعامل. وبذلك تسنى للإنسان أن يقع على الكثير من قوانين عالم الحجاب التي جعل الله تعالى أسبابه تتكفل بتسيير أحداث هذا الوجود. وهذا ما جعل من غير الممكن على الإطلاق لعقل الإنسان أن يكتشف أن هناك إلهاً هو الله تعالى، مادام هذا الإله قد توارى من وراء حجاب الأسباب هذا. فكل مَن يزعم أن بمقدور هذا العقل أن يتوصل وحده إلى أن هناك من وراء هذا الحجاب إلهاً متوارياً إنما يقول بما لا يستطيع أن يجيء على ما يزعم بالبرهان القاطع والدليل الحاسم. ويكفي المرء دليلاً يبرهن به على عجز عقل الإنسان عن أن يكون مقدَّراً له أن يتعامل مع “الحقائق” قدرته على التعامل مع “الوقائع” أن كثيراً من العلماء والفلاسفة والمفكرين الذين قُدِّر لهم أن يتفرَّدوا بعقول متميزة ذات قدرات عقلية استثنائية لم يكن بمقدورهم أن يتوصلوا مستعينين بهذه العقول، وبهذه القدرات العقلية، إلى اكتشاف الدليل الذي يبرهن واحدهم به على وجوب وجود الله تعالى، ناهيك عن أن هؤلاء غير قادرين على تقبُّل أية إمكانية لوجود الله تعالى. فلو كان بمقدور عقل الإنسان أن يتوصل ويكتشف الله تعالى، أما كان هؤلاء العلماء والمفكرين والفلاسفة قد وقعوا على الدليل القاطع والبرهان الحاسم؟ وإذا كان عقل الإنسان قادراً على أن يصل إلى اكتشاف الحقيقة الإلهية التي تقضي بأن الله تعالى موجود وأنه خالق كل موجود، أما كان يجدر بعقول هؤلاء أن تتقبل هذه الحقيقة إن أنت طرحتها عليهم مادامت عقولهم عاجزةً عن التوصل إليها؟

إن ما تقدم يكفي دليلاً وبرهاناً على أن عقل الإنسان لم يُخلق ليكون بمقدوره وحده أن يتوصل إلى اكتشاف الحقيقة الإلهية وبالتالي إلى معرفة أن هناك إلهاً واحداً هو الله تعالى خالقه وخالق كل شيء. ولقد جاءنا الدين بكل دليل وبرهان على أن الله تعالى هو مَن تكفَّل بتعليم الإنسان كل ما له صلة بالحقيقة الإلهية. وهذا ما نراه مبثوثاً في عموم قرآن الله العظيم آياتٍ بيِّنات مُفصَّلات يُعلِّمنا هذا القرآن كيف ننظر إلى ما حوالينا لنقرأها بعين عقلٍ إن قال آمنتُ بالله فسيجد فيها ما يُعينه على تقبُّل ما يقول به وصولاً إلى ما يُعين على تغلغل الإيمان ودخوله القلب. ولقد جاء في هذا القرآن العظيم ما بوسعنا أن نتدبَّره ليتبيَّن لنا من بعدُ أن الآيات التي بثَّها الله تعالى من حوالينا لم يكن لنا أن نعتبر بها ونراها آيات تبرهن على أن الله حق لولا أنه تعالى هو الذي أرانا هذه الآيات وعلَّمنا كيف نستدل بها على وجوب وجوده (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُون) (81 غافر).

أضف تعليق