بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

رسالة الإسلام بيَّنها جليةً قرآن الله العظيم مفصَّلةً بيِّنة فلا يحير الواحد في استجلاء ما انطوت عليه مادام هذا القرآن قد يسَّره الله للذكر فجاءت آياتُه الكريمة لا تحتمل إلا معنى واحداً تكرر بصياغات إن تباينت أشكالها فإن مضمونها واحد ينطق بهذا المعنى. ورسالة الإسلام هي إنذار بأن الإنسان لن تنتهي حكايته بموته مادام يوم الحساب ينتظره بفارغ الصبر، وأن الآخرة حقيقة لا ينبغي لهذا الواقع أن يُشغلك عنها ويُنسيك تذكُّرها مادامت هذه الحياة الدنيا هي ليست كل الحكاية. فالاسلام بنيانٌ إلهي أسَّس له الله تعالى فجعله الدين الذي يكفل انتهاج سبيله النجاة من نار الآخرة والفوز بنعيمها. وهذا الدين لا سبيل إلى الوقوع على حقيقته إلا بقراءته بعين عقلٍ يوقن أن اللهَ تعالى ما أنزله إلا رحمةً بالإنسان حتى يكون بمقدوره، إن هو تديَّن به، أن يتصدى لكل ما يروم أن يُشتِّت تركيزه ويبدد همَّته ويسلب إرادته ليبقى بعيداً عن النور يرزح في ظلمات تتكفل النفس وأعوانها بجعله يتوهم أن لا ضياء بعيداً عنها.
وإذا كان الإسلام هو دين الآخرة، فإن التصوف لا يمكن أن يكون إلا طريق القيامة طالما كان هو ممارسة الإسلام بإتقان. وكل مقاربة للتصوف لا تتبيَّن ما انطوى عليه من انشغال بالآخرة حد الهوَس والافتتان إنما تذهب بك بعيداً عن الوقوع على حقيقته. فحقيقة التصوف هي ما بوسعك أن تتبيَّنه في هذا الذي يجعل من مُنتهج طريقه لا يلتفت إلى هذه الحياة الدنيا فينشغل بها قلبه عن الاستعداد ليوم المعاد. فالمتصوف هو مَن أيقن تمام الإيقان أن هذه الحياة الدنيا ظاهرها يدعوك إلى أن لا تنشغل إلا بها، بينما يدفع بك باطنها صوب الانشغال بالآخرة. ويخطئ من يظن أن التصوف هو لا أكثر من منظومة من القيم والأخلاق والسلوكيات تكفل للمتحلِّي بها أن يكون إنساناً فاضلاً! فالتصوف هو روح الإسلام وحقيقته، وبذلك فلن يكون المتصوف إلا مَن أدرك ما جاء به الإسلام من تحذير وإنذار بأن نار الآخرة تكاد أن تطبق على الدنيا وأهلها، وأن لا سبيل هناك لتفاديها إلا بانتهاج الطريق الذي يكفل لك، إن أنت التزمته وانضبطت بمحدداته وضوابطه، دوام تذكُّر الآخرة حتى لا تُنسيك إياها هذه الحياة الدنيا.
إن التصوف لا يمكن أن يكون إلا مشغولاً بالآخرة طالما كان كل ما انطوى عليه من حقائق لا قيام لها إلا بالانطلاق من إدراك ما لهذه الآخرة من حضور لطيف خفي في هذه الحياة الدنيا. فالتصوف لا يرضى بأن يكون كل حظه من هذا الواقع هو ما يتجلى به لأهل الدنيا ظاهراً خاوياً من كل ما هو ذو صلة بالحقيقة. والتصوف لا يمكن له أن لا يقع على ما ينعكس عن هذا الواقع من نور شمس الآخرة التي وإن لم يحن أوان سطوعها فإن ضياءها حاضر في هذه الحياة الدنيا التي يعجز أهلها عن رؤيته وإن كانت أعينهم تنظر إليه.
إن التصوف طريق الحقائق، وهو بذلك لا يمكن إلا أن يجعل منتهج هذا الطريق يقع عليها كما ليس بمقدور أحد من غير المتصوفة. وهذا هو الذي يجعل المتصوف ليس بمقدوره أن ينشغل عن الآخرة طالما كانت حقيقتها طاغيةً على كل ما يعرض له من ظاهر هذه الحياة الدنيا.
