بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
هل يكفي أن تؤمن بالله تعالى فيتكفل إيمانك هذا بجعلك تحقق ما خُلقتَ لأجله؟ إن الإجابة على هذا السؤال بوسعك أن تجدها بتدبُّرك القرآن العظيم الذي جاء فيه الايمان بالله تعالى مصحوباً بالايمان باليوم الآخر. لنتدبر بعضاً من آيات هذا القرآن التي تُبيِّن هذا التصاحب: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) (39 النساء)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (59 النساء)، (الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون) (69 المائدة)، (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (18 التوبة)، (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِين) (44 التوبة)، (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (99 التوبة).
إذاً، فلو كان الإيمان بالله تعالى وحده يكفي لما جاء هذا الإيمان مصحوباً بالايمان باليوم الآخر. ولكن لماذا لا يكفي أن تؤمن بالله تعالى؟ ولماذا كان هذا الإيمان مصحوباً على الدوام بالايمان باليوم الآخر، وفقما جاء به القرآن العظيم؟ إن الايمان بالله تعالى وحده دون أن يكون مصحوباً بالايمان باليوم الآخر يعني أن المؤمن سوف يُضطر إلى أن يتدبَّر ما يحدث في هذا العالم مكتفياً بالقول بأن الله موجود، وأن وجوده تعالى يكفي لتفسير أحداث هذا العالم. وما أن يشرع المرء بمقاربة الأحداث وفق هذه الرؤية، فإنه سيخلص لا محالة إلى نتيجة مفادها أن هذا الإله الذي يقول بأنه قد آمن به هو إلهٌ غير عادل، وذلك لأن كثيراً مما يحدث في هذا العالم ينبئ بأن الظالم عادةً ما يُفلت من العقاب الإلهي بموته، من بعد أن يسوم الكثيرين سوء العذاب. فهذا العالم، إن لم يكن هناك يوم آخِر يُحاكَم فيه الناس ويُحاسَب فيه الظالم ويُعاقَب على ظلمه، هو ليس إلا مكاناً يمارَس فيه الظلم بأبشع صوره دون أن يكون هناك أي تجلّ للإله الذي خلق هذا العالم ولم يجعل الظالم يُعاقَب فيه على ظلمه.
إذاً فلا يكفي أن تقول إن الله تعالى موجود ولا داعي لأن يكون هناك يوم آخر. فأن تقول إن الله موجود، يوجِب ضرورة أن يكون هناك يوم آخر، طالما كان هذا العالَم لا يُعاقَب فيه الظالم على ظلمه، وطالما كان هذا العقاب مأجولاً بقدوم يوم القيامة. وبذلك تتبيَّن استحالة أن يكون الايمان بالله كافياً دون أن يكون مصحوباً بالايمان باليوم الآخر.
إن تدبُّر أحوال العالم كفيلٌ بجعل المؤمن بالله واليوم الآخِر يجد في هذا الايمان من المنطق ما يجعله يطمئن إلى سلامة اختياره أن يؤمن بالله، وذلك لأن الإله الذي آمن به قد اشترط أن يكون إيمانه به مصحوباً بالايمان باليوم الآخر. فالمؤمن بالله يجد أن المنطق يحتم عليه أن يؤمن باليوم الآخر ما دام هذا العالم مليء بقصص الظلم التي لا يُعاقَب الظالم فيها. فالمنطق يحتِّم وجوب أن يكون هناك عالم آخر يحاسب فيه هذا الظالم الذي قد يُظَن أنه قد أفلت من العقاب بموته. إن الناظر إلى العالم بعين عقلٍ يظن أن أحداثه لا تحتاج إلا إلى القول بأن الله موجود وذلك لكي يُصار إلى تفسيرها والتعليل لها دون حاجةٍ إلى القول بوجوب قدوم الآخرة، سوف ينتهي به الأمر إلى ضرورة أن يحكم على الله بأنه إله غير عادل، طالما كان هذا العالَم قائماً على الظلم. ولذلك فإن من يظن أن قوله بأن الله موجود، وأن هذا الوجود كافٍ لفقه هذا العالم، إنما يسيرُ في طريقٍ سينتهي به لا محالة إلى وجوب أن يكفر بالله مادام الظلم هو سمة هذا العالم طالما كان الظالم يُفلِت بظلمه بموته! ولذلك فإن القول بوجوب وجود الآخرة هو ما بوسعه أن يجعل من القول بأن الله موجود لا ينجم عنه ما يوجب عليك بالضرورة أن تكفر بالله إن لم تكن هناك هذه الآخرة.
إن ما تقدم يكفي لأن يقدِّم البرهان على فساد رأي من يقول بأن الإيمان بالله يكفي دون أن يكون هذا الإيمان مصحوباً بالضرورة بالإيمان باليوم الآخر. وهكذا يبطل رأي كل من يظن أن هناك إيمانٌ بالله قائمٌ على أساس من هذا الإيمان وحده. فكل مَن يظن أنه مؤمن مادام هو يؤمن بالله تعالى دون أن يكون مضطراً إلى وجوب الايمان باليوم الآخر، إنما هو أبعد ما يكون عن الايمان. وبذلك تسقط دعاوى القائلين بأن العلماء مؤمنون مادام واحدهم يؤمن بالله قوةً تحكم الكون وتُسيِّر أحداثه! فهؤلاء العلماء ليسوا بمؤمنين حقاً ولن يؤمن واحدهم حتى يكون إيمانه المزعوم بالله مصحوباً بالايمان باليوم الآخر. وهذا ما لن يُقدِم عليه واحدهم أبداً.
إن الإصرار على القول بإمكانية أن تقوم للإيمان قائمة بمجرد القول بأن الله موجود، دون أن يكون الايمان بوجود الله مصحوباً بالايمان باليوم الآخر، لَيكفي أن يكون الدليل والبرهان على أن القائل لا يفقه من الايمان شيئاً!

