بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن الإنسان أنه إذ ينظر إلى ما يحيط به فإنه يرى الأشياء على ما هي عليه واقعاً وحقاً وحقيقة! وهذا ما لا يتفق مع ما يقول به العلم والدين؛ فالعلم بوسعه أن يجيء بما هو كافٍ من الدلائل والبراهين على أن ما يراه الإنسان من الأشياء لا علاقة له من قريب أو بعيد بما هي عليه، والدين يعلِّمنا أن “الأشياء” لا قيام لها إلا بالله تعالى المُمسك بها حتى لا تزول وتتلاشى. فالإنسان إذ ينظر إلى “الأشياء”، فإنه أبداً لن يكون بمقدوره أن يرى يد الله الممسكة بها. والدين يُعلِّمنا أن هذا الوجود بعيداً عن طريق الله تعالى “ظُلماتٌ بعضها فوق بعض”، وأن هذا الطريق هو شعاع النور الوحيد في هذا الوجود (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (40 النور). وبذلك تكون هذه الظلمات هي حيث يقبع الإنسان بعيداً عن طريق الله المُنير بنوره تعالى. واللهُ تعالى إذ يدعو هذا الإنسان إلى طريقه، فإنه يريد له أن يخرج بنفسه من هذه “الظلمات” إلى هذا “النور”. والإنسان لا قدرةَ له على أن ينظر إلى ما يحيط به فيراه على ما هو عليه “ظلمات بعضها فوق بعض”، فهو “يرى” الوجود مضيئاً بنور الصباح أو بضياء المصباح ويظن واهماً أنه في “النور”! ولو كان بمقدور الإنسان أن ينظر إلى ما يحيط به فيرى الأشياء على ما هي عليه، لوجد أنه قابع في ظلمات لا قرار لها.
إن كل ما في الوجود، بعيداً عن طريق الله، يرزح في ظلمات البُعد والنأي عن الله. وحده طريق الله هو من بوسعك أن تسير عليه فيتكفل سيرُك، منضبطاً بقوانيه وضوابطه، بجعلك تنظر إلى الوجود فترى الأشياء يُنيرها نور الله تعالى الذي علَّمنا القرآن العظيم أنه متواجد في عموم السموات والأرض طالما كان الله نورهما (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (من 35 النور). إذاً فهذا الوجود “مظلم” مادمت تقبع فيه بعيداً عن طريق الله، وهو لن يُنير لك بنور الله المنعكس عنه ما لم تسلك طريق الله خارجاً بنفسك من ظلمات النأي والبُعد عن الله إلى نور القرب من الله.
ولقد وردت عبارة “من الظلمات إلى النور” في هذا القرآن سبع مرات، بوسع متدبِّرها أن يخلص بتدبُّره لها إلى ما يمثله هذا الخروج من الظلمات إلى النور من خير إذ يُلح الله عليه فإنه بهذا الإلحاح منه تعالى يريد لك أن تشحذ همَّتك متجهاً بعيداً عن نفسك، القابعة في الظلمات، إلى طريق الله حيث النور الذي إن غمر قلبك فلا عودة بعدها إلى الظلمات أبداً مادمت قد أصبحت من أولياء الله فلا قدرةَ لغيره على أن يتولاك فيُخرجك من هذا النور إلى الظلمات (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (257 البقرة).
