بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يفاجؤنا علم الفلك بحقائق مذهلة عن هذا الوجود وما يشتمل عليه من موجودات كونية تمتد على مساحات لا يمكن لعقل الإنسان أن يتصورها. فوفقاً لعلم الفلك يحوي هذا الوجود آلاف الملايين من المجرات، وكل مجرة من هذه المجرات فيها مئات الملايين من النجوم. كما أن هناك ما لا يمكن إحصاؤه من أجرام منتشرة في “الفضاء” ما بين هذه المجرات وما بين هذه النجوم. إذاً فهذا الوجود زاخرٌ بالمادة المنتشرة في ربوعه وأصقاعه وعلى امتداد واتساع تقدَّر مساحته بمئات ملايين السنين الضوئية. والسؤال الذي لابد وأن يتبادر إلى الذهن، إذا ما قلنا إن هذا الوجود قد خلقه الله تعالى ولم ينبثق من العدم بقدرة نظرية “الانفجار الكبير” (البيغ بانغ)، هو “لماذا خلق الله تعالى هذا الوجود؟”.
إن الإجابة على هذا السؤال بوسعنا أن نقع عليها في القرآن العظيم بصورة غير مباشرة. فهذا القرآن يُعلِّمنا أن الله تعالى خلق الجن والإنس ليعبدوه، ولكنه لم يذكر أي شيء عن السبب الذي خُلقَت لأجله باقي موجودات الوجود من ملائكة وسموات وأرضين (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون) (56 الذاريات). لكن هذا القرآن قد ذكر أن السموات والأرض تطيعان الله تعالى وأنهما أبتا أن تحملا ما أشار إليه هذا القرآن بأنه الأمانة التي حملها الإنسان ظلماً وجهلاً (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين) (11 فصلت)، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 الأحزاب). وهذه الأمانة هي كناية عن تفويض الله للمؤتمَن ما يجعله قادراً على أن يُسلِم أمره له تعالى أو أن يتصرف في هذه الأمانة فيخون بالتالي الله الذي ائتمنه عليها لينظر إن كان سيردَّها إليه دون أن يُعمِل فيها ما تسوِّل له بذلك نفسه. كما أن هذا القرآن يعلِّمنا أن السموات والأرض تسجدان لله وتسبِّحان له: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) (18 الحج)، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (44 الإسراء).
إذاً فالقرآن العظيم يعلِّمنا بأن هذا الوجود يعبد الله تعالى طائعاً مطيعاً، وأن الفرق بين العبادة التي خُلق ليقوم بها الجن والإنس والعبادة التي يؤدِّيها باقي خلق الله يكمن في أن كافة مخلوقات الله، من غير الجن والإنس، تعبده تعالى دون أن تكون مُخيَّرةً فيكون لأي منها الخِيَرة في أن تعبد الله أو لا تعبده تعالى. وحدهم الجن والإنس امتازوا بالمقدرة على أن يعبدوا الله تعالى فيكون بمقدور واحدهم أن يضطر نفسه ويجبرها على عبادة الله تعالى كرهاً.
لقد خلق الله الوجود بكل ما فيه ومن فيه من موجودات وجعل عبادته تعالى “البرنامج الخفي” الذي تسير وفقاً لما يقضي به كلَّ هذه الموجودات بالاختيار أو بالاضطرار. وكل ما في الوجود، من غير الجن والإنس والملائكة، خُلِق ليعبد الله تعالى عبادةً لطيفةً خفية. إن الله تعالى غني عن الخلق فلا يحتاج منهم أن يعبدوه. وإذا كان الوجود يعبد الله تعالى، فإن هذه العبادة قدَر لا مفر منه لكل موجود، مادام التواجد الإلهي في هذا الوجود هو الذي يكفل لكل موجود فيه أن يبقى على قيد الوجود. وموجودات الوجود تتمايز فيما بينها وذلك على قدر تعلُّق الأمر بما ميَّزها الله تعالى من مقدرة على الوعي بهذه العبادة من عدمها. فسموات الوجود وأرضينه قدَرها الذي لا مفر لها منه هو أن تعبد الله تعالى هذه العبادة اللطيفة الخفية، كما أن قدَر الجن والإنس أن يعبدوا الله تعالى، إن أراد واحدهم، عبادةً واعيةً مبصرة.
