أين هو الله؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لا موجود إلا الله“أين هو الله؟” سؤال يتبادر إلى الذهن وجوباً طالما كان الكل بحوزته إجابة تشي بمقدار ما هو عليه من انشغال بالله تعالى. فالمقاربة التقليدية تقول بأن الله تعالى موجود في السماء، ومن هنا جاءت كثير من العبارات والمصطلحات التي تبيِّن ما لهذا الوهم من عظيم تسلُّط على تفكير مَن كان هذا مذهبه في النظر إلى الأمر. فمن منا لم يسمع بعبارات ومصطلحات من قبيل “الأديان السماوية”، “الكتب السماوية”، “عدالة السماء”، “وحي السماء”، و”معجزة السماء”؟

إن المقاربة التقليدية هذه تحدد “مكاناً” لله تعالى، وبالتالي فهي تنطوي على وجوب الإقرار بأن هناك في هذا الوجود أماكن تخلو من وجود الله! وبذلك يتبيَّن لنا أن المنطق يُحتِّم أن يكون الله تعالى موجوداً في كل مكان، وأن لا نقصر الوجود الإلهي على السماء وذلك لنعلِّل لعدم قدرتنا على أن نراه تعالى إذ ننظر حوالينا! وهذا المنطق يوجب علينا، إن نحن قلنا بأن الله تعالى موجود، أن لا يخلو منه أي مكان في هذا الوجود. إلا أن هناك ما ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار بهذا الخصوص. فمادام هذا الوجود يوجد فيه موجودات أخرى غير الله تعالى، فلابد وأن نصحح التعبير عن “الوجود الإلهي” فيه ليكون “التواجد الإلهي”. فالشيء “يوجد” إذا لم يكن هناك في المكان شيء آخر “يتواجد” معه. وبالتالي فإن الله تعالى يتواجد في هذا الوجود طالما كان هناك فيه موجودات أخرى غيره. ولكن هذا التواجد الإلهي الذي لا يمكن أن يخلو منه مكان في الوجود، إذ هو ما يكفل لهذا الوجود أن يكون موجوداً متماسكاً فلا يفنى ويزول، فإنه لا يمكن أن يكون أقصى تجلٍّ لله تعالى في هذا الوجود. فإذا كان التواجد الإلهي في هذا الوجود هو أقصى تجلٍّ لله تعالى فيه، فإن هذا الوجود ما كان له أن يكون موجوداً طالما لم يكن بمقدور أي موجود فيه أن يشهد هذا التجلي الأقصى لله تعالى فيبقى على حاله فلا يفنى ولا يزول. إذاً فالمنطق يحتِّم ويوجب علينا، إن نحن قلنا بأن الله تعالى متواجد في هذا الوجود، ضرورة أن نقول بأن هذا التواجد الإلهي لابد وأن يكون بقدْرٍ يكفل لموجودات الوجود أن توجد وتكون ولا يتسبب في الوقت ذاته بزوالها وفنائها إن كان التجلِّي الإلهي يتجاوز ما بمقدورها أن تتحمله. وهكذا يتوجَّب علينا أن نقول بأن هذا الوجود يتواجد فيه الله تعالى بقدْر يكفل أن يكون للوجود وجود، على أن يكون الله تعالى موجوداً خارج هذا الوجود بالقدر الذي لا يتحدد بموجبٍ من تواجد أية موجودات أخرى معه.

إذاً فاللهُ “يتواجد” مع باقي موجودات الوجود في هذا الوجود، وهو تعالى “موجود” وحده خارج هذا الوجود. وبذلك تكون الإجابة على السؤال “أين هو الله؟” فيها من “التعقيد” ما يتناسب مع ما يوجبه ويفرضه ما الله تعالى عليه من كينونة لا يمكن أن يُكتفى بالتعبير عنها بالقول إنها “ذات وجود” دون أن يكون لها تواجد، ولا بأنها “ذات تواجد” دون أن يكون لها وجود. فكل ما في الوجود ليس حقاً بموجود طالما كان الله تعالى متواجداً في هذا الوجود. وحده الله تعالى موجود بحق مادام ليس هناك من موجود غيره خارج الوجود.

أضف تعليق