بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ذكرتُ في أكثر من منشور أن حقيقةَ ما يحدث في الظواهر ذات الصلة بما يُسمى بـ “البيوت المسكونة” بوسعنا أن نحيط بها، وذلك بأن لا نقع في وهم التصور الخاطئ بأن الكائنات المسؤولة عن هذه الظواهر الخارقة للعادة هي أرواح موتى البشر! فالبيوت المسكونة ساكنوها هم ليسوا من البشر، كما يظن ويتوهم الكثير. وهذه حقيقةٌ أشرتُ إليها في منشورات سابقة، مُبيِّناً أن الإنسان إذ يموت فإن روحه لا يمكن لها أن تبقى ضمن حيز كوكبنا الأرضي هذا، وأنها تُساق من قِبل الملائكة إلى حيث يتم الاحتفاظ بها إلى يوم البعث. كما وتحدثتُ بإسهاب عن استحالة أن يكون بمقدور ما يُسمى بـ “جلسات تحضير الأرواح” أن تستحضر روح الإنسان الميت من حيث أُودعَت محفوظةً حتى تقوم الساعة. وذكرتُ أن الكائنات المسؤولة عن الظواهر ذات الصلة بجلسات التحضير هذه، وبالبيوت المسكونة، هي من الجن.
والجن خلْقٌ سبَقَنا إلى هذا الوجود، وذلك لأن الله تعالى كان قد خلق هذه الكائنات قبل أن يخلق سيدنا آدم عليه السلام. والجن كائنات خلقها الله تعالى من نار. وهذه “المخلوقات النارية” تتفوق على الإنسان بكثيرٍ من الميزات، طالما كان الإنسان من “المخلوقات الطينية”، وطالما كانت خِلْقته الطينية هذه تفرض عليه حدوداً لا يستطيع أن يتجاوزها ويتعداها. ولذلك كان بوسع الجن القيام بأعمالٍ هي من قبيل “خوارق العادات” التي لا قدرةَ لإنسان على أن يقوم بها، مادام هو “مخلوق طيني” حدَّدته خِلقته الطينية هذه فجعلته أسير “قدَر طيني” لا فكاك له منه البتة، طالما لم يسِر على طريق الله تعالى ليعود عليه هذا السير بما يجعله قادراً على أن يحلِّق بجناحَي “قدَره النوري” الذي خُلق مهيَّأ بكل ما من شأنه أن يجعل منه يحظى به قدَراً بديلاً إن هو بذل ما يستدعيه الأمر من الكد والجهد. ومن هذا الذي هو بمقدور الجن القيام به ما يجعل من الظواهر المذكورة أعلاه تحدث بكيفية تجعل الكثير منا يصدِّق التفسير الشائع لهذه الظواهر بأن المسؤول عنها هو أرواح موتى البشر. وإذا كانت الحقيقة هي خلاف ما نتوهم ونظن، وكان الجن هم المسؤولون عن هذه الظواهر، فكيف السبيل إذاً إلى النجاة من شرِّها الذي قد يطال المتعرِّض لها بقصدٍ أو دون قصد؟
لقد ذكرتُ في منشور سابق أن الكائنات المسؤولة عن هذه الظواهر هم في الغالب الأعم من أشرار الجن، وأن لا سبيل هناك للنجاة من شرِّهم هذا إلا بأن تؤيَّد بالملائكة، الذين هم وحدهم قادرون على التعامل معهم، وبما يتكفل بجعلك تنجو. والسؤال الآن هو كيف يكون بمقدورك أن تحظى بهذا “التأييد الملائكي”؟
من تجربتي الخاصة، فإن الواحد منا معشر البشر بمقدوره أن يكون مؤيَّداً بالملائكة الكرام عليهم السلام إن هو سارَ على طريق الله تعالى، وذلك من بعد أن يتخذ له أستاذاً صوفياً موصولاً بسلسلةٍ من أساتذة الطريقة الموصولين كلهم جميعاً بأستاذ الطريقة الأول حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فهذه “الصلة الروحية” وحدها التي بمستطاعها أن تكفل للسائر على هذا الطريق، منضبطاً بمحدِّداته وضوابطه، أن يكون من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، فاستحق بذلك أن يؤيده الله تعالى فيجعل الملائكة أولياءه، فتعود عليه هذه “الموالاة الملائكية” بما يُمكِّنه من التصدِّي لأشرار الجن والنجاة من شرِّهم (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة) (30- من 31 فصلت).
