بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تحدثتُ في أكثر من منشور عن تفوق القرآن العظيم على العلم في مناحٍ معرفيةٍ كثيرة، ومن هذه المناحي ما هو ذو صلةٍ بنشأة الكون وابتداء صيرورة مادته من بسيطها إلى ما أضحت عليه من تعقيد بعد آلاف الملايين من السنين. فالعلم مضطر إلى وجوب أن يقول بأن نشأة الكون كانت بانبثاقه من “عدم محض”! وهذا “العدم المحض” يُفترض بنا أن نؤمن بأنه قادرٌ على أن يلد المادة الأولى التي عنها نشأ كل ما غدا لاحقاً يُعرف بالكون! و”العدم المحض” هذا تحوَّل إلى “وجودٍ نابضٍ بالحياة” بقدرةِ قادرٍ هو ما انطوت عليه “نظرية الانفجار الكبير” من قوانين فيزيائية يريدنا العلماء أن نؤمن “إيماناً ميتافيزيقياً” بها فنصدِّق أنها تكفينا لنعلِّل لانبثاق الوجود من العدم!!!
وفي المقابل، يضطرنا الدين، إذا ما نحن قلنا بما يريدنا أن نؤمن به بأن هناك إلهاً هو الله، إلى وجوب القول بأن الكون قد نشأ عن هذا الإله. وهذه النشأة تحققت بتفاعلٍ مادي بين بعضٍ من المادة الإلهية تمخَّض عنها “أول خلق”. وهذا “الخلق الأول” هو المادة المخلوقة الأولى التي شرعت تتفاعل فيما بينها تفاعلاً متسلسلاً أدى إلى انبثاق الكون الذي نعرف. وبذلك يقدِّم الدين تصوراً بالإمكان تقبُّله، وذلك بالمقارنة مع “التصور العلمي” الذي لا يمكن على الإطلاق أن يحظى من عاقل بالقبول مادام هذا التصور يطالبه بأن يصدِّق بأن بمقدور العدم أن يُنتج الوجود! والأمر شبيه بمَن يريدك أن تصدِّق أن صندوقاً فارغاً من كل شيء بوسعك أن تحصل منه على دجاجة، وفي المقابل هناك من يقول لك إن بحوزته بيضةً منها ستخرج هذه الدجاجة! فأياً منهما تصدِّق؟
إن الدين يعلِّمنا بأن الله تعالى كيانٌ ليس كمثله شيء (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (من 11 الشورى)، وهذا الكيان لابد وأن نكون مضطرين إلى الإيمان بأن الوجود انبثق عنه مادام لا يجوز لعاقل أن يصدِّق بأن العدم بمقدوره أن يجيئنا بهذا الوجود. ولقد علَّمنا الدين أيضاً أن اللهَ تعالى هو الذي بدأ “أول خلق” (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (من 104 الأنبياء). ونحن مضطرون إلى وجوب القول بأن هذا الخلْق الأول قد نشأ من الله تعالى كما تُنشئ أيةُ مادةٍ مادةً أخرى بتحوُّلها إليها.
والأمر متروك لك، فإن شئتَ آمنتَ بالعلم فيضطرك هذا الإيمان إلى وجوب أن تؤمن بقدرة العدم على أن ينشأ عنه الوجود بكل ما فيه من موجود، وإن شئت آمنتَ بالدين فتضطر إلى وجوب أن تقول بأن الوجود انبثق عن الله تعالى.
